القناة ـ محمد أيت بو
أكد الباحث عبد الرفيع زعنون أن الحكومة المغربية الجديدة لن تمثل قطيعة مع التوجهات الكبرى للسياسات العمومية، بالنظر إلى الالتزامات الاستراتيجية والقيود المالية والمؤسساتية التي ستؤطر عملها خلال الولاية الحكومية 2026-2031، مشيرا إلى أن هامش التغيير سيتركز أساسا على إعادة ترتيب الأولويات وتحسين تنفيذ الأوراش القائمة، مع إمكانية إقرار عدد محدود من السياسات الجديدة.
وأوضح الباحث في القانون العام والعلوم السياسية، ضمن ورقة بحثية حول حدود الاختيار الحكومي وأولويات السياسات العمومية خلال الفترة 2026-2031، أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام أجندة مزدحمة تشمل استكمال ورش الحماية الاجتماعية، وتأمين الموارد المائية والطاقية والغذائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، إلى جانب مواصلة الاستثمارات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030.
وأشار الباحث إلى أن هذه الأوراش، التي يمتد بعضها إلى ما بعد الولاية الحكومية المقبلة، ستحد من قدرة الحكومة على إطلاق التزامات جديدة، خصوصا في ظل ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية العمومية والاستجابة للحاجيات الاجتماعية والاستثمارية.
وفي هذا السياق، أبرزت الورقة التي نشرها المعهد المغربي لتحليل السياسات تحت عنوان “ما بعد تشريعيات شتنبر 2026: أي أولويات للحكومة المقبلة؟”، أن ثلاثة ملفات مرشحة لتتصدر أولويات الحكومة المقبلة، تتمثل في تعزيز الأثر التشغيلي للاستثمار، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وبخصوص التشغيل، اعتبر زعنون أن التحدي لا يرتبط فقط بحجم الاستثمارات العمومية والموارد المرصودة لها، بل بقدرتها على إحداث فرص شغل مستقرة وتعزيز القيمة المضافة وتقليص التفاوتات الترابية. وشدد على أهمية ربط الحوافز الاستثمارية وموارد التكوين بنتائج قابلة للقياس، وتطوير مسارات الإدماج المهني، ولا سيما لفائدة الشباب الذين يوجدون خارج التعليم والتكوين والشغل.
وسجلت الورقة أن برنامج حزب الأصالة والمعاصرة يستهدف خفض معدل البطالة من 10.8 في المائة إلى 7 في المائة في أفق 2031، مع إحداث ما لا يقل عن 200 ألف منصب شغل صاف سنويا، فيما يقترح حزب الاستقلال برامج للإدماج المهني والتكوين الرقمي والتجربة المهنية الأولى.
وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، دعا الباحث إلى الانتقال من التدابير الظرفية إلى معالجة الاختلالات المرتبطة بتكوين الأسعار، من خلال تعزيز شفافية الأسواق، وضبط الممارسات المنافية للمنافسة، وتقليص حلقات الوساطة، ومراجعة آليات الدعم وتوجيهها بما يضمن انعكاسها الفعلي على أسعار المنتجات الأساسية.
ولفتت الورقة إلى تقاطع مقترحات الحزبين بشأن إعادة تنظيم مسالك توزيع المنتجات الفلاحية والغذائية، عبر إحداث شركات جهوية للتوزيع وعصرنة أسواق الجملة وتعزيز التتبع الرقمي للمعاملات وهوامش الربح. غير أنها شددت على أن فعالية هذه التدابير ستظل رهينة بقدرتها على خفض التكاليف، دون إحداث حلقات مؤسساتية إضافية تعيد إنتاج الاختلالات القائمة.
كما أبرز زعنون أهمية إعادة توجيه الدعم الفلاحي نحو تلبية حاجيات السوق الداخلية، وتعزيز الإنتاج المحلي للمنتجات الغذائية الاستراتيجية، وتحسين استهداف الدعم الاجتماعي. واعتبر أن التحدي يتمثل في تحقيق التوازن بين رفع قيمة التحويلات الاجتماعية وتوسيع قاعدة المستفيدين، مع ضمان نجاعة آليات تحديد الأسر المستحقة وربط الدعم بمسارات الإدماج الاقتصادي دون الإضرار بالفئات الهشة.
وعلى مستوى تقليص الفوارق المجالية، أكدت الورقة أن الحكومة المقبلة ستكون مطالبة بمواصلة تنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، من خلال توجيه الموارد وفق مستويات الخصاص الفعلي، وتحسين التنسيق بين القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، وتوحيد مؤشرات التتبع والتقييم.
وشدد الباحث على أن تحسين الولوج إلى الخدمات الصحية والتعليمية يقتضي، إلى جانب الاستثمار في البنيات التحتية، إعادة توزيع الأطر والتخصصات، ومعالجة أسباب الهدر المدرسي، وتحسين النقل المدرسي والربط الطرقي والتزود بالماء الصالح للشرب، مع إعطاء الأولوية للمناطق القروية والجبلية والواحات والمجالات الأكثر هشاشة.
وفي ما يخص الحماية الاجتماعية، أشارت الورقة إلى أن التحدي لم يعد مقتصرا على توسيع التغطية، بل أصبح مرتبطا بضمان الاستفادة الفعلية من الخدمات. وأوضحت أن معدل التغطية الصحية الاسمية بلغ نحو 88 في المائة، مقابل استمرار وجود حوالي 3.5 ملايين شخص في وضعية حقوق مغلقة، فضلا عن تحمل الأسر نحو 50 في المائة من إجمالي الإنفاق الصحي.
وسجلت الورقة أن الحكومة المقبلة ستعمل كذلك في ظل ضغوط مالية، إذ يستهدف المسار الميزانياتي المعلن حصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وخفض دين الخزينة إلى نحو 63 في المائة في أفق 2029. ومن شأن هذه القيود، وفق التحليل، أن تجعل ترتيب الالتزامات وتمويلها أحد أبرز محددات الاختيار الحكومي.
وبخصوص البرامج الانتخابية، قدرت الورقة الكلفة التراكمية لبرنامج حزب الأصالة والمعاصرة بنحو 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، مع التعويل على رفع معدل النمو إلى 5 في المائة، فيما لم يقدم حزب الاستقلال غلافا ماليا إجماليا مماثلا، رغم اقتراحه موارد جبائية لبعض التدخلات.
وخلص عبد الرفيع زعنون إلى أن القيمة المضافة للحكومة المقبلة ستتحدد بقدرتها على تحويل استثمارات كأس العالم 2030 إلى رافعة للتنمية المستدامة، وربط الاستثمار بالتشغيل، والحماية الاجتماعية بالأثر الفعلي، وبرامج التنمية الترابية بتحسين جودة الخدمات وتوجيه الموارد نحو المجالات الأكثر خصاصا.
وأكد أن هامش التغيير لن يرتبط أساسا بإطلاق أوراش جديدة، بقدر ما سيتوقف على إعادة توجيه قواعد الدعم، وتنظيم التوزيع، وتحسين تخصيص الموارد، والوفاء بالتعهدات المعلنة في إطار التوازنات المالية والالتزامات القائمة، فضلا عن قدرة الحكومة على تدبير توازنات الأغلبية ومراكز القرار والمصالح المتداخلة في صنع السياسات العمومية.

