القناة من الدار البيضاء
مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، قدم حزب الأصالة والمعاصرة برنامجه الانتخابي تحت شعار “تغيير المسار”، واضعا أمام الناخبين خمسة مواثيق و20 التزاما قال إنها تستهدف إعادة التوازن الاجتماعي والاقتصادي، وتحسين القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، وتعزيز المواطنة والأمان، ودعم النمو والاستدامة.
غير أن حجم الوعود المالية، الذي يناهز 350 مليار درهم، يفتح الباب أمام سؤال جوهري يتجاوز جاذبية الشعارات الانتخابية: هل تستند هذه الالتزامات إلى قدرة مالية واقعية للدولة، أم أنها تقوم على فرضيات نمو متفائلة لا تأخذ بما يكفي في الاعتبار هشاشة الظرفية الاقتصادية والمالية؟
350 مليار درهم.. من أين ستأتي الموارد؟
تؤكد فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب، أن البرنامج لم يُبنَ على “معطيات للزينة”، وأن الالتزامات المقترحة لها كلفتها ومصادر تمويلها وقابليتها للتنفيذ، كما شددت على أن الحزب يريد تقديم أجوبة “عملية وواقعية” لا وعودا تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية.
لكن الانتقال من التأكيد السياسي إلى الاختبار المالي يفرض أسئلة أكثر صعوبة: ما هي الموارد الإضافية الصافية التي ستتوفر عليها ميزانية الدولة لتمويل هذه الالتزامات؟ وما هو الجزء الذي سيُموّل من خلال إعادة ترتيب النفقات، وما الجزء الذي سيتطلب موارد جبائية إضافية أو اقتراضا؟ وكيف ستتطور هذه الكلفة إذا جاءت معدلات النمو أدنى من الفرضيات المعتمدة؟
فالرهان على تحقيق نمو سنوي في حدود 5% لتوفير هوامش مالية جديدة يظل رهانا محفوفا بالمخاطر في اقتصاد يتأثر بصورة مباشرة بتوالي سنوات الجفاف، وتذبذب الإنتاج الفلاحي، وارتفاع كلفة الطاقة والمواد الأولية، فضلا عن التحولات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما ارتفعت الالتزامات الاجتماعية الثابتة، ازدادت الحاجة إلى موارد مستقرة وقابلة للتوقع، لا إلى نمو اقتصادي افتراضي قد يتحقق وقد لا يتحقق.
إعفاءات ضريبية ودعم اجتماعي.. التزام دائم بموارد غير مضمونة
من بين الوعود التي تجعل السؤال المالي أكثر إلحاحا، مقترح إعفاء الأجور التي تصل إلى 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، إلى جانب رفع سقف المعاشات والدعم المباشر وإجراءات أخرى تستهدف القدرة الشرائية.
ولا يتعلق الأمر هنا بنفقات استثنائية تنتهي بانتهاء ظرف معين، بل بالتزامات يمكن أن تتحول إلى أعباء سنوية متكررة على الميزانية العامة. ولذلك فإن تقييمها لا ينبغي أن يقتصر على سؤال كم ستكلف؟، وإنما يجب أن يمتد إلى سؤال كيف ستمول بشكل مستدام؟.
فالقول بإمكانية تمويل هذه الإجراءات من خلال النمو وتحسين التدبير وحدهما لا يكفي، ما لم ترفق الوعود بتصور تفصيلي حول إصلاح المنظومة الجبائية، وترشيد النفقات، وإعادة توجيه الدعم، ومحاربة التهرب والغش الضريبي، وتوسيع الوعاء الجبائي، وضمان استدامة المالية العمومية.
وفي غياب هذه العناصر، قد تتحول السياسة الاجتماعية من أداة لإعادة توزيع الثروة إلى توزيع مسبق لثروة لم تخلق بعد.
الجفاف والجغرافيا السياسية يفرضان حسابات أكثر تحفظا
تأتي هذه الوعود في سياق لا يسمح بهامش كبير من المغامرة في تقدير الموارد المستقبلية. فالمغرب يواجه منذ سنوات ضغطا متزايدا على موارده بسبب الإجهاد المائي وتوالي فترات الجفاف، بما لذلك من انعكاسات على الفلاحة والتشغيل والنمو وعلى الحاجة إلى الاستثمار العمومي في الماء والبنيات التحتية.
كما أن الاقتصاد الوطني ليس معزولا عن التحولات الدولية؛ فالتوترات الجيوسياسية، وتقلب أسعار الطاقة والمواد الأولية، واضطراب سلاسل الإمداد، وإعادة تشكيل العلاقات التجارية الدولية، كلها عوامل يمكن أن تنعكس على التضخم والحسابات الخارجية والنفقات العمومية.
وبالتالي، فإن بناء برنامج انتخابي يمتد لخمس سنوات على فرضية نمو مرتفعة ومستقرة يقتضي، على الأقل، تقديم سيناريوهات بديلة: ماذا سيحدث للالتزامات إذا بلغ النمو 3% بدل 5%؟ وماذا لو استمر الجفاف؟ وكيف ستُموّل البرامج الاجتماعية في حال ارتفاع أسعار الطاقة أو تراجع الإيرادات الجبائية؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية الأهداف الاجتماعية، وإنما تضعها في إطار المسؤولية المالية التي يفترض أن تلازم أي مشروع يسعى إلى قيادة الحكومة.
بين القدرة الشرائية والحصيلة الحكومية.. مفارقة سياسية
وتطرح وثيقة الحزب أيضا إشكالية سياسية مرتبطة بموقعه داخل التجربة الحكومية السابقة. فالأصالة والمعاصرة لم يكن حزبا خارج دائرة القرار، بل شارك في تدبير قطاعات حكومية وازنة، وكان لوزرائه وبرلمانييه حضور في صناعة القرار والتشريع.
ومن ثم، فإن تقديم «استعادة القدرة الشرائية» باعتبارها إحدى الأولويات الكبرى للمرحلة المقبلة يستوجب توضيحا سياسيا حول الحصيلة السابقة والمسؤولية عن السياسات التي أدت إلى الأوضاع التي ينتقدها الحزب اليوم.
فليس من السهل سياسيا الفصل بين الحزب الذي شارك في تدبير السياسات العمومية وبين الحزب الذي يقدم نفسه لاحقا باعتباره صاحب وصفة بديلة لمعالجة آثار تلك السياسات. وهذا التناقض يصبح أكثر وضوحا عندما تتحول القدرة الشرائية إلى محور تعبئة انتخابية دون تقديم مراجعة صريحة لما تحقق وما لم يتحقق خلال الولاية السابقة.
مليون منصب شغل.. من الشعار إلى الكلفة الحقيقية
الأمر نفسه ينطبق على الوعود المتعلقة بالتشغيل وإحداث مليون منصب شغل وصناديق ضمان جديدة. فالأرقام الكبيرة تمنح البرامج الانتخابية جاذبية سياسية، لكنها لا تصبح سياسة عمومية قابلة للتقييم إلا عندما تقترن بآليات دقيقة.
فالحديث عن مليون وظيفة يقتضي تحديد القطاعات المعنية، والكلفة العمومية المباشرة وغير المباشرة، ونسبة المناصب التي سيخلقها الاستثمار الخاص، وحجم التحفيزات الجبائية المطلوبة، والأثر المتوقع على منظومة الحماية الاجتماعية، فضلا عن الجدول الزمني للتنفيذ.
كما أن معالجة البطالة لا تختزل في خلق وظائف بأرقام إجمالية، وإنما ترتبط بقدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل ذات إنتاجية، وبإصلاح سوق الشغل، والتكوين، والاستثمار، والمنافسة، والولوج إلى التمويل.
العقدة الأكبر: من يمول “تغيير المسار”؟
يقدم حزب الأصالة والمعاصرة برنامجه باعتباره انتقالا من تشخيص الاختلالات إلى تقديم «التزامات واقعية» لها كلفة ومصادر تمويل. غير أن معيار الواقعية لا ينبغي أن يكون فقط إمكانية تمويل البرنامج في السيناريو الاقتصادي المتفائل، بل قدرته على الصمود في السيناريوهات الصعبة أيضا.
فالمالية العمومية لا تختبر عندما تكون الإيرادات مرتفعة والنمو قويا، وإنما عندما تجتمع صدمة مناخية مع تباطؤ اقتصادي وارتفاع في كلفة التمويل أو الطاقة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح الالتزامات الاجتماعية الدائمة أكثر كلفة، فيما تضيق هوامش المناورة أمام الحكومة.
لذلك كان المنتظر من برنامج انتخابي بهذا الحجم المالي أن يقدم للناخب، إلى جانب الوعود، حسابا ماليا شفافا يوضح مصادر كل درهم إضافي، وأثر الالتزامات على عجز الميزانية والدين العمومي، والسيناريوهات البديلة في حال عدم تحقق النمو المفترض.

