ذ. حسن السعيدي
بعد زوال الأدارسة وانسحابهم من حكم المغرب، ظهرت إمارات صغيرة حاولت أن تجد لها موطئ قدم في حكم المغرب (كالمغراويين بفاس / والبرغواطين بتامسنا) لكن تكثل قبائل صنهاجة بالصحراء، خصوصا قبائل لمثونة التي اختار زعيمها يحيى بن عمر اللمثوني أن يفقهها في الدين من أجل لحمتهم، حيث اختار لهم فقيها بعد استشارة أبي عمران الفاسي بإفريقية الذي أرشده لزاوية الوجاج بن زلو بنواحي تيزنيت، حيث وجد هناك شابا يافعا فقيها بأمور الدين إسمه عبدالله بن ياسين الذي لبى دعوتهم فذهب إلى الصحراء ليكون أستاذا وإماما، وما أن نزل عندهم حتى أخذهم بكثير من الصرامة خصوصا أن قبائل الصحراء كانت بعيدة عن مجال الأدارسة السياسي، مما يفسر عدم تشبتهم بتعاليم الدين الإسلامي الحقة، مما دفع عبدالله بن ياسين إلى التوجه إليهم بدعوة صريحة لالبس فيها ولاغموض وبدون مجاملة، مما أثار إستياء الكثير منهم، ليجد نفسه في النهاية مضطرا لهجرهم صحبة زمرة قليلة من التلاميذ الأوفياء في رباط للعبادة بعيدا عن أعين الناس، وهناك كانت بداية المرابطين نسبة لهذا الرباط،حين انتشر صيتهم مماساعد على التفاف القبائل حولهم وقويت شوكتهم بزعامة عبدالله بن ياسين.
بدأت الدولة يتسع نفوذها في عهد أبوبكر بن عمر اللمثوني الذي استطاع السيطرة على العديد من المناطق، والسيطرة على الطرق التجارية والقيام بدور الوساطة بدل أودغست، خصوصا بعد تولي يوسف بن تاشفين الحكم. خصوصا وأنه من ضمن استقرار الدولة واستمراريتها. يتجلى ذلك في تأسيس عاصمته مراكشي بداية القرن الحادي عشر، لتلعب دورا مهما من الناحية التجارية كمركز مهم ظل مرتبطا بالطرق التجارية الصحراوية، وفي عهده وبسبب تبصره كقائد إنتشر الإسلام في تلك الفترة بشكل كبير بالصحراء وداع صيته بالإضافة إلى توحيد الغرب الإسلامي وتتبيت حكمه بالأندلس التي شهدت تصدع المسلمين قبل مجيئه، ولكي لانظلم المرأة المغربية تاريخيا وجب علينا التأكيد أن قوة يوسف بن تاشفين واحتفاظه بالحكم ارتبط بزوجته زينب النفزاوية، تلك المرأة القوية والحكيمة التي لعبت دورا مهما في بداية الدولة المرابطية.
اهتم يوسف بن تاشفين بمسألة الإندماج السياسي مع الديني وهو ما أكسبه قوة في الحكم وتسيير شؤون الدولة، حيث استطاع التغلب على هوان حكام الأندلس (ملوك الطوائف) بعد انتصاره في معركة الزلاقة على المسيحيين هناك سنة 1086م.
قوة الدولة ستنتهي بعد وفاة يوسف بن تاشفين ،أو كما يطلق عليه (أمير المسلمين)، حيث خلفه إبنه علي بن يوسف الذي شهد عهده ضعفا في التسيير، ففي عهده ظهر ترف العيش وتم تفويت اختصاصات عديدة للفقهاء وبعض الأسر الحاكمة التي ساهمت بشكل واضح في ضعف المسلمين بالأندلس وسقوط بعض مدنه ، وفسحت المجال أمام الموحدين، الذين اختاروا مرجعية دينية يضربون بها شريعة فقهاء المرابطين، حيث جاء ابن تومرت وزمرته من المصامدة في تجسيد لصراع قبائلي بينهم وبين صنهاجة، لكن بإديولوجية دينية جعلتهم يلقبون أنفسهم بالموحدين.
المتتبع لتوالي الأحداث التاريخية خلال هذه الفترة سيلاحظ أن الدين لعب دورا مهما في تاريخ الدول التي تعاقبت على المغرب، فرغم التعصب القبلي الذي شكل أساس الدولة المرابطية خلال هذه الفترة يبقى غطاء الدين مهم، فمحاولة يحيى بن عمر لتعليم قبائل لمثونة ونشر قيم الإسلام فيها يمكن فهمه من الزاوية السياسية بأنه وسيلة لبسط نفوذه وتأسيس دولة، وهذا ماتأتى له مع عبدالله بن ياسين الجزولي، الذي تحول من فَقِيه إلى قائ عسكري سيموت في إحدى معارك المرابطين مع برغواطة بتامسنا. ولنا في مواضع أخرى تفصيل في ماهية هذه الإمارات.
كما لا يفوتنا الوقوف على المجتمع المرابطي الصحراوي فبالمقارنة مع الأدارسة سيتضح أن قوة الدولة وتوسعها تحتاج لشظف العيش وقساوة الطبيعة، وتاريخ المغرب خير دليل على ذلك فكلما كانت عاصمة المغرب مراكش عشنا زمن الإمبراطورية والدولة القوية، وحين تكون فاس هي العاصمة نعيش دولة ضعيفة مجاليا وعسكريا، ونتحول من دولة السيف لدولة القلم.
عدم الغوص في تفاصيل الأحداث والسنوات والاكتفاء ببعض الشذرات مرده صياغة تاريخ واضح المعالم وفهم بعض الاختلافات من خلال مفهوم الزمن والمجال، لذلك نعود لما سبق ذكره أن المرابطين كدولة أمازيغية أساسها تعصب قبلي بإيديولوجية دينية، ساعدها على توحيد الغرب الإسلامي وضمان إستقلاله عن المشرق وهو نفس المشروع الذي سيتممه الموحدون بفكر ديني وتعصب قبلي مخالف للمرابطين.

