القناة من الرباط
في وقت كان فيه الاقتصاد العالمي يواجه واحدة من أكثر الفترات تعقيداً خلال السنوات الأخيرة، بفعل توالي الأزمات الجيوسياسية، وارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، وتداعيات جائحة كورونا، فضلاً عن سنوات الجفاف التي أثرت بشكل مباشر على الاقتصاد المغربي، تمكن المغرب من الحفاظ على تماسك اقتصاده ومواصلة مسار النمو والاستثمار. وهي خلاصة تبرزها المؤشرات التي تضمنها التقرير السنوي الذي رفعه والي بنك المغرب إلى جلالة الملك حول الوضعية الاقتصادية والنقدية والمالية برسم سنة 2025.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تقدم صورة عن أداء الاقتصاد الوطني من زاوية الأرقام والمؤشرات، بعيداً عن التجاذبات السياسية. فبلوغ معدل النمو 4,9% خلال سنة 2025 يعكس، بحسب مؤيدي الحصيلة الحكومية، قدرة الاقتصاد المغربي على استعادة ديناميته وتعزيز مناعته، خصوصاً إذا ما تم وضع هذا الرقم في سياق مقارن مع متوسط النمو خلال الولايتين الحكوميتين السابقتين، والذي لم يتجاوز 2,7%.
لكن الأهم في هذه الحصيلة لا يرتبط فقط بمعدل النمو، بل بطبيعة الخيارات التي اعتمدتها الحكومة لدعم الاقتصاد. فقد اختارت حكومة عزيز أخنوش، في مواجهة الظرفية الدولية الصعبة، الدفع بقوة نحو الاستثمار باعتباره رافعة للنمو ووسيلة لتسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وفي هذا الإطار، اقتربت ميزانية الاستثمار العمومي من 380 مليار درهم، مقابل حوالي 230 مليار درهم قبل سنة 2021، في مسار يعكس حجم التحول الذي عرفته السياسة الاستثمارية للدولة.
وتعني هذه الأرقام، في قراءة سياسية واقتصادية، أن الحكومة لم تتعامل مع الأزمات بمنطق الانتظار أو الاكتفاء بتدبير تداعياتها، بل راهنت على الاستثمار في البنية التحتية والمشاريع الكبرى باعتباره أداة لبناء اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على خلق الثروة وفرص الشغل. وهو توجه ينسجم مع التحولات التي يشهدها المغرب، ومع الاستعدادات المتواصلة لاحتضان استحقاقات دولية كبرى، وما تفرضه من تسريع للأوراش التنموية.
وفي موازاة ذلك، سجلت مداخيل الدولة ارتفاعاً قوياً لتصل إلى نحو 388 مليار درهم، مقارنة بحوالي 225 مليار درهم قبل سنة 2021. ويمنح هذا التطور للمالية العمومية قدرة أكبر على تمويل السياسات الاجتماعية والاستثمارية، خصوصاً في ظل الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة في مجالات الحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والبنيات التحتية.
كما أن تراجع عجز الميزانية إلى 3,5% من الناتج الداخلي الإجمالي، مقابل 5,5% قبل سنة 2021، يقدم مؤشراً إضافياً على سعي الحكومة إلى تحقيق معادلة صعبة تتمثل في مواصلة الإنفاق العمومي والاستثمار وتمويل الإصلاحات، مع العمل في الوقت ذاته على الحفاظ على التوازنات المالية.
ويأتي انخفاض التضخم إلى متوسط 0,8% خلال سنة 2025 ليعزز هذه الصورة. فبعد أن بلغ التضخم مستويات مرتفعة وصلت إلى 6,6% خلال ذروة الأزمة، تمكن الاقتصاد الوطني من استعادة قدر أكبر من الاستقرار السعري. ويكتسي هذا التطور أهمية بالغة بالنسبة للأسر، بالنظر إلى أن ارتفاع الأسعار كان أحد أكثر الملفات حساسية خلال السنوات الماضية.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تقرير بنك المغرب باعتباره مؤشرا على انتقال المغرب تدريجياً من مرحلة التركيز على تدبير الأزمات إلى مرحلة أكثر طموحا تقوم على بناء القدرة على الصمود. فالحكومة، وفق هذه القراءة، لم تكن أمام ظرفية اقتصادية عادية، بل أمام سلسلة متواصلة من التحديات، ومع ذلك تمكنت من الحفاظ على الاستثمار، وتحسين موارد الدولة، وتقليص عجز الميزانية، واستعادة مستويات منخفضة من التضخم.
وبينما يستمر النقاش السياسي حول تقييم الحصيلة الحكومية، تضع هذه الأرقام معطيات ملموسة أمام الرأي العام. وهي معطيات تمنح حكومة أخنوش، في نظر المدافعين عن أدائها، عناصر قوية للتأكيد على أن الرهان لم يكن فقط على تجاوز الأزمات، بل على استثمارها لإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الوطني وتعزيز أسسه، بما يجعل الصمود الاقتصادي اليوم قاعدة لبناء نمو أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.

