القناة
من أهم مميزات المديح النبوي أنه شعر ديني ينطلق من رؤية إسلامية، تطبعه الروحانية الصوفية من خلال التركيز على الحقيقة المحمدية التي تتجلى في السيادة والأفضلية باعتباره سيد الكون والمخلوقات، وأنه أفضل البشر خِلقة وخُلقاً. ويتميز المديح النبوي أيضاً بصدق المشاعر ونبل الأحاسيس ورقة الوجدان وحب النبي محمد بن عبد الله طمعاً في شفاعته ووساطته يوم الحساب.
ويعتقد الصوفية بأن أول ما فاض عن الله هو النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية فخلق محمد المؤيد بالمعجزات الباهرات والمنصور بالآيات الظاهرات، الذي مدحه رب العزة وأثنى عليه في محكم تنزيله بقوله:”وإنك لعلى خلق عظيم “– عليه السلام من نور الله وأن الكون بما فيه خلق من نور محمد وأن به وفيه ومن أجله خلق الله الخلق فهو أول الخلق والسر الساري في كل الموجودات ويزعمون أن الله أودع في رسول الله – صلى الله عليه وسلم جميع ما قسمه لخلقه من فيض العلوم والمعارف والأسرار والتجليات والأنوار .
يقول الأستاذ مصطفى نجو في تعريفه للحقيقة المحمدية : لقد بنى المتصوفة فلسفتهم الروحانية على نظريات تبدو للعيان أكثر ما تكون غرابة. فلاقوا بذلك مواجهة وصدودا من طرف الفقهاء ومن ذلك نظريتهم في الحقيقة المحمدية التي يعني بها المتصوفة حقيقة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورؤيتهم في خلقه. ولم يكن ذلك إلا من انصرافهم من الحب الإلهي إلى الحب النبوي. حيث انتقل في القرن الثالث الهجري المتصوفة من فلسفتهم وطريقتهم إلى الحب النبوي محافظين بطبيعته على الحب الإلهي. فكيف كانت نظرتهم إلى النبي الهاشمي عليه أفضل صلوات ربي وسلامه وعلى آله وصحبه أجمعين؟.
وتناول أصحاب المعاجم الحقيقة المحمدية كما فهموها من المتصوفة فهذه سعاد الحكيم صاحبة المعجم الصوفي تقول: ” الحقيقة المحمدية هي أكمل مجلى خلقي ظهر فيه الحق بل هي الإنسان الكامل بأخص معانيه، وإن كان كل موجود هو مجلى خاصا لاسم إلهي فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد انفرد بأنه مجلى للاسم الجامع وهو الاسم الأعظم ولذلك كانت له مرتبة الجمعية المطلقة”
ونحن نتحدث عن الحقيقة المحمدية عند كبار المتصوفة نسوق الحديث عن رائد الحب الإلهي الشاعر المتصوف عمر بن الفارض لنتبين كيف تناول هذه النظرية. ولا بد من نظرة موجزة عن المديح النبوي عند هذا الشاعر فهو الذي يرى أن كل مدح في هذا النبي يبقي مقصرا لأن الله سبحانه وتعالى قد أثنى عليه. أليس فيه نزل قوله ” وإنك لعلى خلق عظيم”(44). فماذا بقي للشعراء بعد هذا الثناء. يقول عمر بن الفارض: طويل.
أرى كل مدح في النبي مقصرا
وإن بالغ المثني عليه و أكـثرا
إذا الله أثنى بالذي هو أهلــه
عليه فما مقدار ما تمدح الورى
ويبدو من تتبع شريط الحقيقة المحمدية في الدراسات الصوفية وعند المتصوفة أنفسهم أنها تأخذ تعاريف متعددة وألوان كثيرة إلا أن القاسم المشترك بين كل هؤلاء هو اعتبار النبي محمد صلوات ربي عليه و سلامه أول مخلوق في الوجود ومنه انفلقت الأكوان و منه استقى باقي الأنبياء سر وجودهم فهو الإنسان الكامل ونور الوجود وسره.

