بقلم ذ. حسن السعيدي
تتمة للموضوع السابق المرتبط بنظم الحكم التي أحدثها المرابطون بالمغرب والأندلس، فبعد الحديث عن زعامة الدولة والبيعة والوزراء والولاة، ننتقل إلى مناصب أخرى وهي :
– القضاء : كانت له أهمية كبيرة في عهد المرابطين حتى أنهم كانوا يعينونهم من كبار العلماء (كإبن رشد و ابن حمدين في الأندلس، وعياض السبتي وعبدالملك المصمودي في المغرب)، كان من واجب القضاة أنذاك أن يطلعوا مقدما على الشؤون التي تهمهم في مجال القضاء قبل أن يقدمها الوزير إلى الأمير.
كانت سياسة المرابطين في اختيار القضاة حكيمة، حيث ارتكزت على تحقيق العدالة بين عموم السكان والاعتماد على تعاليم الكتاب والسنة في تطبيقها على الرعية من غير عنصرية أو طائفية، ولم يستندوا على العصبية القبلية كما فعلو في تعيين العمال.
هذا المنصب الهام قلد فيه المرابطون الدولة الأموية حين كانت تحكم الأندلس، حيث أحدثوا ألقابا إدارية في القضاء كالمسدد وقاضي الجماعة وقاضي الرد، كما كانت الإجراءات القضائية في عهدهم يتم البث فيها بسرعة وببساطة، وجعلوا للقضاء رتبة عظيمة في الدولة حتى كثرت أموالهم واتسعت مكاسبهم، كما كان لهم الحق في اختيار العمال وعزلهم كما فعل ابن رشد حين طالب بعزل تميم من نيابة الأندلس.
تعيين القضاة عند المرابطين كان يتم بعهد من أمير المسلمين أو نائبه وكان كل من قاضي مراكش وقاضي قرطبة يدعى بقاضي الجماعة أو قاضي الحضرة، يستشيرهم الحاكم في تعيين القضاة أو عزلهم.
– الحسبة : نظام عرفته الأندلس منذ أيام الدولة الأموية وقبلهم في المشرق الإسلامي، صاحب هذا النظام يدعى المحتسب وهو الذي يؤدب الغشاشين الذين يزيدون في أسعار المواد كما كان يحدد ثمن المبيعات ويراقب الأوزان.
وقد وضع ابن عبدون رسالة دقيقة يوضح فيها اختصاصات المحتسب والمتمثلة في :
– مراقبة الأحباس وبيت المال
– تعيين خطباء وأئمة المساجد
– القيام بالتغيرات اللازمة في المساجد والمباني العامة
– القضاء المدني : مهمته الفصل في المنازعات التي لا علاقة لها بالعمال والتي يمكن البث فيها بسرعة من غير أن تكلفه إجراءات شرعية.
– الجيش : كان يتشكل من صنهاجة المرابطين في البداية إلا أن الحروب المتتالية جعلت عدده يتناقص بالإضافة إلى أساليب الحرب في الأندلس التي جعلت المرابطين يستعينون بالأجانب، فالدولة لم تكن تملك ديوانا خاصا بالجيش، حيث كانت عناصره تحشد بواسطة العمال والقواد عندما تدعو الضرورة لذلك.
ومن عناصر الجيش المرابطي الصقالبة والبربر والعرب لتنويع أساليب الحرب ووضع مخطط محكمة، وقد سمحوا للعناصرالمسيحية المنتمية لجيش المرابطين تشيد الكنائس والأديرة لإقامة صلواتهم، كما انضم للجيش عناصر الغز الأتراك بالإضافة إلى قبائل صنهاجة على اختلافها.
كان عدد الجيش المرابطي يتراوح بحسب الظروف الزمانية والمكانية، حيث كان يتأرجح بين 40 ألف و 100 ألف، فبهذا الجيش تمكن المرابطون من إتمام فتح المغرب والأندلس، أما رواتبهم لم تتجاوز 5 دنانير شهرية لكل فارس مع نفقته وعلف فرسه، بينما كانوا يستعملون للركوب الإبل والخيل وللقتال الدرق اللمطية وسيوف الهند والسهام والرعادات، ويضربون الطبول وينفخون في البوقات.
كانت طريقة حربهم وقتالهم في البداية معتمدة على الإبل وبعدها الخيول وقتالهم في الغالب يعتمد على الراجلين الذين يقفون صفوفا متراصة يتقدمهم حامل الراية الذي يشير إليهم بها، إذا نصبها وقفوا وإذا أمالها جلسوا، في حين قيادة الجيش تؤول لأمير المسلمين أو من ينوب عنه، وفي الأقاليم يقوم مقامه العمال.
– الأسطول البحري : عرف المرابطون أهمية القتال البحري عندما عجزوا على فتح سبتة، حيث بدأ اهتمامهم بالأسطول منذ ذلك العهد، وقد اختاروا الأندلس مقرا لأسطولهم البحري حيث يتواجد خطر الإفرنج، كما كانت ألمرية وقادس مراكز لقيادة الأسطول المرابطي وبهما كانت ترسانتهم الحربية.
– السكة : أقدم عملة مرابطية كان سكّها في عهد أبي بكر بن عمر وكانت تحمل إسمه إلى جانب إسم الخليفة العباسي أو لقبه، وكانت الدنانير تضرب عادة من ذهب و الدراهم والقراريط والدوانق من فضة.
كان الدينار في عهد يوسف بن تاشفين يحمل الكتابة التالية :
– الوجه الأمامي : لاإله إلا الله وتحتها أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وفي الدائرة (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)
– الوجه الخلفي : الأمير عبدالله أمير المؤمنين العباسي وفي الدائرة تاريخ الضرب وموضعه.
المتتبع لتاريخ الدولة المرابطية سيلاحظ أن قوتها وامتدادها الجغرافي نابع من قوتها التنظيمية، فما استعرضناه من عناصر تبين مدى فاعلية نظم الحكم عند المرابطين، التي حولتهم من قبائل صنهاجية بصحراء المغرب إلى إمبراطورية حكمت جغرافيا ماسمي بالغرب الإسلامي، سياسة المرابطين هاته انعكست على المجتمع الأندلسي والمغربي وهذا هو موضوع المقال القادم المجتمع المرابطي من البداوة إلى الحضارة.

