أجواء رمضان بـ’السلطان أحمد’.. مدفع وإفطار وذكر في حضرة التاريخ

صهيب قلالوة من اسطنبول*

في قلب مدينة إسطنبول التركية تتضافر مئات العادات الموروثة، خلال شهر رمضان المبارك، لتشكل لوحة روحانية ساحرة، تحيل السكان والزائرين إلى قرون من التاريخ العثماني الإسلامي.

فللدولة العثمانية (1299-1923) وسلاطينها، الذين حكموا تلك المدينة لنحو ستة قرون، الفضل في تكوين ذلك الموروث الثقافي الثري بعادات وتقاليد تجسد الرحمة والإنسانية والأخوة الإسلامية، فضلا عن أجواء روحانية مميزة في شهر القرآن.

وسط المدينة العريقة، يتربع مسجد السلطان أحمد، ويسمى أيضا “الجامع الأزرق”، وقد بني بين عامي 1609 و1616.

ولذلك المسجد مكانة كبيرة للغاية في قلوب الأتراك؛ بفضل موقعه وتاريخه، وحتى حجمه، فهو من أكبر المساجد في العالم، بعد المساجد الثلاث في مكة والمدينة والقدس.

في كل عام، وتحديدا خلال الشهر المبارك، يتوج سكان إسطنبول وزوارها نهار صومهم بتناول إفطارهم في مسجد السلطان أحمد وساحاته وحدائقه.

تلك المساحة العامرة تشهد عشرات الفعاليات الجماعية، أهمها الدعاء الجماعي، الإفطار الجماعي، قراءة القرآن الكريم في آن واحد، إطلاق المدفع الرمضاني، وهو موروث من الدولة العثمانية، إضافة إلى تناول مشروبات عثمانية تعدها بلدية المدينة عادة.

عاما بعد آخر، باتت منطقة السلطان أحمد، قِبلة يومية لعشرات الآلاف من السكان والزائرين؛ نظرا مكانتها التاريخية والروحانية.

وهي أحد أشهر مناطق إسطنبول، وقلب المدينة النابض، إذ تقع داخل الأسوار العتيقة، في أول تلة من تلالها السبع، وتضم معالم روحانية كثيرة.

** مدفع رمضان

وسط ميدان السلطان أحمد، وفي حضن التاريخ العثماني الإسلامي، يتربع المدفع الرمضاني.

يتولى الجيش مسؤولية إطلاق المدافع الرمضانية في تركيا، إيذانا بحلول موعدَي الإمساك والإفطار.

ومع الحفاظ على الموروث العثماني، بات المدفع الرمضاني من أبرز مظاهر شهر الصيام في المنطقة العريقة.

ويستمر إطلاقه يوميا حتى أذان مغرب آخر أيام رمضان، قبل أن يحل أول أيام عيد الفطر في تركيا، الإثنين، 3 يونيو/ حزيران المقبل، وفق حسابات فلكية.

** فعاليات جماعية

بعد إطلاق المدفع الرمضاني، يبدأ الصائمون في المنطقة بتناول وجباتهم، والتي تقدمها بلدية إسطنبول.

وللوضوء، وقبل أذان العشاء بعشر دقائق، يهرع الجميع إلى صنابير مياه يزيد عمرها عن نحو أربعة قرون، حيث يستعدون لأداء صلاة العشاء، في المسجد، الذي يكتظ برجال ونساء وشباب ومسنين وأطفال.

يؤدي المصلون صلاة العشاء، ثم ركعتي السنة، وبعدها يجلسون، وبصوت واحد جماعي يرتفع التكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بعدها تبدأ صلاة التراويح، فيؤدي المصلون نحو 20 ركعة، وبين كل أربع يلهجون بصوت جماعي بالذكر والصلاة على النبي.

وعادة، يشهد الميدان يوميا برامج خاصة، من أبرز فقراتها: تلاوة من القرآن الكريم، وأناشيد وابتهالات دينية.

** “المحيا”

لا تكتمل تلك اللوحة البصرية الروحانية إلا بإضاءات تزين مسجد السلطان أحمد، وهي عادة عثمانية مستمرة منذ 450 عاما، وتسمى “المحيا”.

و”المحيا” هي لافتات ضوئية تُعلق في شهر رمضان والمناسبات الدينية الإسلامية بين مئذنتي المساجد الكبيرة، وتعرض عبارات دينية تتغير بتغير تلك المناسبات.

*وكالة الأناضول

أترك تعليقا على الموضوع