القناة ـ مصطفى وشلح
في هذا الحوار ضمن سلسلة حوارات “القناة.كوم” التي نستهدف من خلالها الانفتاح على كفاءات وطاقات وتجارب مغاربة العالم بدول المهجر، نستضيف خالد الفرع، فاعل سياسي ومجتمعي بفرنسا، وأحد أبناء الهجرة الذين استطاعوا أن يجمعوا بين العمل العلمي والأكاديمي، والانخراط المؤسساتي، وتكثلها للدفاع عن حقوق الجالية المغربية ببلدان الإقامة و داخل الوطن.
انتقل من مقاعد الدراسة في عين الشق بالدار البيضاء، إلى مدرجات السوربون بباريس، ثم إلى التدريس، وأيضا إلى مقاعد المسؤولية كنائب سابق لعمدة إحدى البلديات الفرنسية، وفاعل جمعوي يرافع عن حقوق مغاربة العالم.
في هذا الحوار، يعود معنا إلى البدايات، يتحدث عن الصعوبات الأولى في فرنسا، وعن الاندماج في المجتمع المضيف، وعن موقع الجالية المغربية في العمل السياسي، ويدعو إلى لحظة يقظة جماعية لتثمين كفاءات مغاربة العالم.
1. كيف كانت بداياتك الأولى في مسار الهجرة إلى فرنسا؟ وما أبرز التحديات التي واجهتك في سنواتك الأولى؟
أعود إلى البداية في المغرب، حيث تلقيت تعليمي الأولي في الكتاب القرآني بعين الشق، ثم مدرسة ابن خلدون الابتدائية، وإعدادية ابن ماجة، وثانوية المصلى.
كان حبِّي للتاريخ نابعًا من والدي رحمه الله، الذي كان مقاوما حيث سبق واعتقلته القوات الاستعمارية الفرنسية ضمن خلية درب الكبير، ولذلك اخترت التخصص في التاريخ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بعين الشق (جامعة الحسن الثاني)، وتخرجت سنة 1989 بإجازة في التاريخ والجغرافيا – تخصص التاريخ.
بعدها تسجلت في الرباط لمتابعة السلك الثالث في التاريخ المعاصر تحت إشراف الدكتور بوطالب، لكن وفاة والدي رحمه الله دفعتني إلى اتخاذ قرار الهجرة.
قدمت طلبات لعدة جامعات فرنسية ومؤسسات عربية، وقُبلت في جامعة السوربون واخترتها. التحقت بها سنة 1989.
كانت البداية صعبة جدًا نفسيًا واجتماعيًا ومناخيًا. وصلت إلى فرنسا ليلاً في شتاء قارس دون سكن أو وجهة محددة. وجدت نفسي أبحث عن فندق دون جدوى، إلى أن دلّني صاحب مقهى تعود ملكيته لأحد الإخوة الجزائريين على الهاتف فاتصلت بأصدقاء العائلة وأقاموني عندهم 25 يومًا. ثم بدأت رحلة البحث عن السكن والعمل.
درست سنتين دبلوم الدراسات المعمقة حول “المغرب الأطلسي وعلاقته بالمغرب الداخلي خلال القرن التاسع عشر”، ثم أنجزت الدكتوراه لمدة أربع سنوات حول “طرق المواصلات بالمغرب الاطلنتيكي وعلاقته بالمغرب الداخلي”.
أما أولى الوظائف فكانت بسيطة: مرافقة طفل من عائلة كولومبية إلى المدرسة، ثم بيع الملابس في سوق شعبي بضواحي باريس، والعمل ليلًا في مطعم مغربي–فرنسي، وكل ذلك وأنا ما زلت أتابع دراساتي الجامعية، قبل أن أبدأ مساري المهني الحقيقي لاحقًا.
2. ما العوامل التي ساعدتك على الاندماج داخل المجتمع الفرنسي، والانتقال من تجربة الهجرة إلى الانخراط في الشأن العام؟
عملت ما بين 1994-1999 بثانوية دولية حيث يدرس أبناء الدبلوماسيين والنخب، ثم انتقلت للتدريس في الإعدادي والثانوي حتى سنة 2020. درّست التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية والقانونية والاجتماعية، واشتغلت كمستشار عام للتربية والتعليم، ثم مسؤولًا عن السلامة داخل المؤسسات التعليمية تحت إشراف أكاديمية “فرساي”.
سرّ اندماجي يعود إلى قيم التربية المغربية: الانفتاح، التعايش الديني والثقافي، احترام الآخر. كنت دائمًا مهتمًا بما يجري حولي: السياسة، الثقافة، تدبير الشأن المحلي. حضرت لقاءات رؤساء البلديات والمجتمع المدني وكنت أتدخل بنقاشات سياسية وندوات وأنشطة مختلفة، ما جعل المنتخبين الفرنسيين المحليين يعجبون بمداخلاتي و مدى تاثيري على الحضور وبالخصوص الشباب ذووا الأصول المغاربية والأجنبية.
انتقلت لاحقًا إلى مدينة “بوزون” بضاحية باريس، فواصلت المشاركة في لقاءات المجتمع المحلي. طُلب مني سنة 2002 الترشح للانتخابات، ورفضت لأني لا أرغب الانتماء لأي حزب كي أبقى حرًا في مبادئي ووفائي للوطن الأم.
وفي سنة 2008 تمت دعوتي مجددًا، فقبلت بصيغة مستقل داخل اللائحة، وحققنا الفوز، وُكِّلت إليّ مهام تتعلق بالإدارة الحضرية، وتسيير السوق البلدي، والرياضة والشباب وغير ذلك من المهام التي غالبا ما تكون تلك المهام المعقدة في طبيعتها.
3. بصفتك نائبًا سابقًا لعمدة بلدية بفرنسا، كيف تقيّم تجربتك؟ وما أهم الدروس المستخلصة؟
هي تجربة إيجابية ومهمة على المستوى المهني والإنساني. واكبت مشاريع كبرى من بدايتها إلى مرحلة التسليم. تعلمت كيف يُدار سوق نموذجي، وكيف تُنسق المصالح المحلية.
في الواقع كانت مهامي كلها تلك الصعبة والدقيقة والتي تتطلب الكثير من التركيز و التتبع والدقة في التعامل، ودائما ما أنجح في مهامي، ما جعل الثقة تزداد يوما بعد يوم.
لكن أهم درس مؤلم هو المقارنة: بلدان الاستقبال تمنح مغاربة العالم الحق في المشاركة السياسية بينما المغرب لا يسمح لهم بالتصويت أو الترشح رغم دورهم الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي، ورغم تضحياتهم. ولهذا أطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يستفيد المغرب من كفاءات مغاربة العالم؟ ولماذا هذا الإقصاء؟
4. تحضر بقوة في العمل الجمعوي، كيف ترى دور الجمعيات في تمكين مغاربة العالم؟
للأسف، المشهد الجمعوي اليوم في بلدان الإقامة يركز على قضايا داخلية وأنشطة ثقافية وترفيهية، أكثر من الدفاع الحقيقي عن ملفات الجالية داخل مجتمعات الاستقبال.
كما أن بعض الأشخاص دخلوا العمل الجمعوي بدافع الاسترزاق الشخصي ما حال دون وحدة الجمعيات وتكتلها للدفاع عن الحقوق.
أنا شخصيًا أدافع من داخل المؤسسات – إداريًا واجتماعيًا وثقافيًا – عن قضايا الجالية: السكن، تسجيل الوثائق، مشاكل الأبناء، الإدماج، وغيرها.
نحاول دائمًا أن نخفف من الصعوبات ونقدم حلولًا عملية. شاركت في الكثير جدا من الأنشطة واللقاءات حول مختلف القضايا على رأسها طبعا القضية الوطنية وقضايا الهجرة والمناخ وغيرها.
5. كيف تدافعون عن القضايا الوطنية داخل فرنسا، وعلى رأسها الوحدة الترابية؟
القضايا الوطنية قضايا مقدسة بالنسبة لي. الوقوف ضد أعداء الوحدة الترابية واجب على كل مغربي داخل وخارج الوطن.
ندافع بحب الوطن والولاء لجلالة الملك نصره الله، والرغبة في ازدهار بلدنا. وما قمنا به في هذا الصدد لا يسع الوقت لذكره من نضالات ووقفات وندوات وتدخلات متواصلة في بلد الإقامة وأيضا بلدنا كما قلت سالفا. لأن الأمر يتعلق بقضيتنا الوطنية الأولى ألا و هي قضية وحدتنا الترابية.
لكن المؤسف هو ظهور أشخاص بلسانين ووجهين، يمدحون المغرب في العلن ويهاجمونه في الخفاء، ومع ذلك يتم تكريمهم. هذه ازدواجية خطيرة يجب الانتباه إليها.
6. ارتباطكم بالمغرب ما يزال قويًا.. كيف يتجلى ذلك؟ وما رسالتكم لمغاربة العالم؟
وجودي اليوم في المغرب دليل على هذا الارتباط. حضرت دعمًا للمنتخب الوطني خلال كأس إفريقيا، ورافقتُ – بصفتي عضوًا في مؤسسة “كونتاكت” الفرنسية – ستة شباب فرنسيين من أصول جزائرية ليتعرفوا على المغرب وحضارته وقيمه ومنجزاته.
نشتغل كذلك على تشجيع الاستثمار عبر ندوات للجالية بفرنسا لتعريفهم بالتسهيلات المرتبطة بالاستثمار في القطاعات الصناعية والاقتصادية. وآخر ندوة شاركت فيها، كانت حول زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للمغرب، والتي مهدت لاحقًا إلى اعتراف فرنسا بالحكم الذاتي المغربي بالأقاليم الجنوبية.
رسالتي للحكومة المغربية: الاهتمام أكثر بالجالية وفق التوجيهات الملكية السامية، وتقديم الدعم المادي والمعنوي لتكوين الشباب على قيم “تمغربيت” وتحفيزهم على الاستثمار في بلدهم الأم والانخراط في كل المجهودات لتطوير البلاد على مختلف الأصعدة.
رسالتي لمغاربة العالم: الاتحاد، تجاوز الخلافات، العمل المشترك، أخذ العبرة من الجالية التركية التي تشتغل كقوة واحدة.
وفي الختام أتمنى النجاح لوطننا تحت قيادة جلالة الملك، محمد السادس نصره الله، ونجاح تنظيم كأس إفريقيا، والاستعداد الأمثل لكأس العالم 2030، وتحقيق التنمية الشاملة وجلب المزيد من الاستثمارات. ودائمًا شعارنا: الله، الوطن، الملك.








