القناة : أسامة الطنجاوي
كان يا مكان، في قديم الزمان، وفي سالف العصر والأوان، رجل أعربي مهووس بنفسه إلى درجة العظمة الثائرة، يحب بشغف أن يشغل الآخرين به، ويطمح إلى تحول شخصه إلى موضوع تتناقله الألسن في المجالس والمجامع، قرر الرجل أن يصنع حدثا بارزا يدخل منه إلى التاريخ من بابه الواسع، حاول واجتهد وفكر، وكانت النتيجة أن يقوم بالتبول في مسجد المدينة أمام مرآى ومسمع المصلين، وبالفعل قام بذلك، ومنذ ذلك اليوم سمي ” بالعربي البوال”..
ولقد ابتلي زمننا هذا بالكثير من “البوالين” من أمثال “العربي”، ومن هؤلاء “الأعراب” رجل أراد أن يعيد لنفسه الأضواء والدخول إلى معترك السياسية من النافذة بعدما طرد من بابها الواسع، وتراجعت أسهمه السياسية، ليختار “غوغائية” الكلام، ويعمَر صفحات الجرائد في ظرفية “الرباط المغلقة” وهو مصطلح صحفي يقصد به أن الأنشطة الرسمية بالرباط معلقة خصوصا البرلمانية والحكومية منها بسبب حالة “البلوكاج”، ما يدفع الصحافة إلى استجواب “التافهين” بغية ملئ الصفحات بما يرضي الجمهور من القراء، وهي بالمناسبة ظرفية بروز فتاوى الشيخ الزمزمي رحمه الله.
إن هذا الرجل الجديد القديم، كان يسمى ذات يوم ب ” فيكتور مارتين”، من أم مسيحية وأب مسلم، سافر إلى إسبانيا للاستفادة من وضع ما بعد الحرب الذي كان فيه المغاربة متنفذين داخل المجتمع الإسباني ـ بحسب تصريح فيكتور لجريدة المساء ـ وتزوج والده المرأة المسيحية التي لم تشأ أن تغير دينها بالرغم من استقرارها بالمغرب لأن ذلك يعتبر موقفا انتهازيا ـ بحسب ذات الحوار ـ
فيكتور تحول ذات يوم من شخص مسيحي إلى شيوعي ملحد، ومع الإلحاد أصبح إسمه “محمد” ـ سبحان مبدل الأحوال، وأضيف له لقب “زيان” فصار بقدرة الجليل “محمد زيان”، وتحول من الشيوعية إلى نقيضها الإديولوجي “الليبرالية” بل صار بقدرة الله زعيما “للحزب الليبرالي المغربي” الذي اختار له الأسد كشعار له، لكن الأسد فيه أوفيه.
محمد زيان، وزير حقوق الإنسان في مرحلة ما قبل العهد الجديد، في فترة ولايته، كان بعض الزعماء من القوى الديمقراطية والتقدمية المغربية يذوقون سهام الجلادين، وكان زيان حينها يجابه في الإعلام بمنجزاته في الرفع من المنظومة الحقوقية وتلميع صورة الحكومة حتى وصف “بمحامي الحكومة”.
زيان، الذي يخرج اليوم بخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من المصطلحات التي لم يجرأ يوما على تطبيقها على نفسه، أو تنظيمه الحزبي الذي أسس سنة 2002، لم يتأثر زيان بالإنصاف والمصالحة، ولا بثورات الربيع العربي ولا بانتخاب ترامب، ولا غيرها من الأحداث العالمية، فقد ظل منذ تأسيسه لحزبه “زعيما خالدا” في إشارة واضحة إلى “القبضة الحديدية” التي يوليها على تنظيمه ومناضليه ـ إن وجدوا أصلا ـ في الوقت الذي يزايد على باقي التنظيمات بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.
زيان الذي وصف ذات يوم قادة حزب العدالة والتنمية “بالمنافقين” صار اليوم يوزع صكوك الديمقراطية عليهم، ويصطف في صفهم علَهم ينظرون إليه بعين الرضا، ناسيا قول الشاعر :
عين الرضا عن كل عيب كليلة لكن عين السخط تبدي المساويا
زيان، الذي لم يستطع أن يظفر بمقعد برلماني منذ انتخابات 2007، أراد أن يبتز “الدولة” بقرار مقاطعته للانتخابات في مرحلته الأخيرة، وهي عادة سيئة تنم عن فقدان ثقته في المشروع الديمقراطي، لكنه تماطل في ابتزازاته اليوم وخرج بتصريحات ضد قادة سياسيين ذنبهم الوحيد، أنه يحضون بثقة جلالة الملك، وهي الثقة التي فقدها بسبب هفواته وسلاطة لسانه، لكنه لم يستوعب بعد أن خرجاته اليوم ماهي إلى “زوابع فنجان” وأن السياسية هي ممارسة تنظيمية قبل “تصريحات إعلامية” وأنه الخيار الديمقراطي الوحيد رهين بالمؤسسات، وعلى رأسها “المؤسسة الحزبية”، وأن المرء إن كان بيته من زجاج فلا يضرب بيوت الناس بالحجارة.

