أكادير: أسامة الطنجاوي
تستأثر ناظريك بأزهارها البيضاء كأنها كست الجبال ثلوجا ناصعة البياض، تخرج بين ثناياها إمراءة أو شابة بملحاف أسود أمازيغي تتفقد أحوال الشجر والحجر، مرددة ترانيم تجمع بين الأمل بمحصول زراعي وافر وذر النحس والشؤم عن المحاصيل… هي إذن مناجات تراثية شفاهية لا تستطيع وقف التغيرات الكبرى التي تعرفها المردودية الانتاجية نتيجة التغيرات المناخية…
مشاهد من أخرى على طول الطريق الرابطة بين تيزنيت وتافروات، حيث تتجسد الطبيعة في أبهى حللها مقدمة فاكهة “اللوز” الجافة كطبق ترحيبي لضيوف المنطقة، قبل أن يتحول إلى مورد أساسي لتصنيع المواد الغذائية كأملو، والتجميلية كزيوت التزيين وترطيب الشعر للرجال والنساء، ويتحول في المدن كما القرى إلى طبق رئيسي في بعض الوجبات ك”البسطيلة” والحلويات التقليدية.
اللوز .. محرك أساسي للفلاحة بتيزنيت
تشكل زراعة اللوز بإقليم تيزنيت وتافروات جنوب المغرب، إحدى المحركات الاساسية للإقتصاد المحلي، حيث توفر عددا من فرص الشغل المباشرة خصوصا للنساء القرويات في الأرياف والمناطق الجبلية، كما تقدر نسبة الأراضي الفلاحية لشجرة اللوز بإقليم تيزنيت بحوالي 6000 هكتار، ضمنها 4000 هكتار بدائرة تافروات، من أصل 144 ألف هكتار المشكلة لمجموع المساحة المروزعة على الصعيد الوطني، والمعروفة كقطاع تقليدي بالمناطق الجبلية القروية، وشبه عصري او عصري بالمناطق الحضرية.
وفي تصريح ل”القناة” قال عبد العزيز ملوكي، المدير الإقليمي للفلاحة بتيزنيت أن اللوز بمنطقة تيزنيت وتافروات يتميز بحصوله على شهادة المنشأ الجغرافي، التي تطبع خصوصيته الجغرافية وتميزه عن باقي أنواع اللوز بمختلف التراب الوطني، مضيفا أن المنطق تتفرد بنوع خاص من اللوز بجودة أكبر تلمس خصوصا أثناء عملية الطحن حيث يفرز كمية زيت أكبر من باقي أشجار اللوز على الصعيدين الوطني أو الدولي، إلى جانب خصوصيته من ناحية المذاق، حيث يعد اللوز بمنطقة تافروات الأحلى من نوعه بفضل المناخ الجاف الذي يساعده في بلورة جودة أحسن لمنتوج شجرة اللوز.
وكشف المتحدث ان إقليم تيزنيت وتافروات ينتج ما يناهز 300 طن سنويا من اللوز، يتم تصديرها للسوق الوطنية، وتمتاز بإرتفاع ثمنه الذي يتراوح ما بين 100 و120 درهم للكيلوغرام الواحد، في الوقت الذي يصل ثمنه في باقي المناطق المغربية ما بين 70 إلى 100 درهم للكيلوغرام، مفسرا ذلك بنقص كمية الانتاج مقابل ارتفاع الجودة، مشيرا إلى كون المديرية الإقليمية لوزارة الفلاحة بتيزنيت عملت على غرس 400 هكتار في المدة مابين 2011 و2013 ، كما تطمح من خلال مشروع جديد لها سيقدم في السنة المقبلة 2017 لوكالة التنمية الفلاحية إلى إعادة تشديب وتشبيب أشجار اللوز القديمة، وانجاز المدرجات والأحواض الزراعية، مع تحديد أماكن تتوفر على فرشة مائية والاعتماد على الراي بالتنقيط للنهوض بشجر اللوز لضمان نجاح المشروع.
التحديات الكبرى المهددة لشجرة اللوز
تعرف الزراعة التقليدية لشجرة اللوز عددا من المشاكل، إذ تتواجد في المناطق الجافة، والتي تعرف نقصا في تقنية حصاد الأمطار، مع غياب التقنيات الزراعية العصرية، إلى جانب الاكثار من شجرة اللوز عن طريق البذرة ما ينتج عنه الإختلاف الجيني في الأشجار المغروسة في الساحة الواحدة، ويخلف محصولا متباينا في الشكل والحجم واللون مع تواجد اللوز المر، واللوز المزدوج، وكذا اختلاف في مواعيد الإزهار، إلى جانب التهديدات المناخية التي تثيرها موجات الصقيع والبرد
وتنصح مريم بنعلي العلوي المهندسة بالمعهد الوطني للبحث الزراعي في تصريح صحفي، الفلاحين بإستعمال اصناف مختارة ذاتية التلقيح تتلائم مع الظروف المناخية، وكذا استعمال تقنيات حديثة في الري والتسميد، مع وضع خلايا النحل بشكل معاكس ما يساعد شجرة اللوز على التلاقح، واستعمال بعض الاصناف المتداولة المعروفة بتأخر تاريخ الإزهار، وتطوير طرق تقليم وتشجيب الشجرة والتسميد العضوي والكيميائي
وتعد زراعة اللوز بالمغرب ثاني قطاع زراعي بعد الزيتون، إذ تحتاج شجرة اللوز مابين 100 إلى 400 ساعة من البرد (أقل من 7 درجة حرارة مئوية) حتى يمكن البرعوم من الانبات، ونفسها في درجة الحرارة الجافة، كما تتلاقح شجرة اللوز (التي تعيش أزيد من ربع قرن) عن طريق النحل، او فيما بينها ما ينتج تنوعا جينيا يخلق أصناف جديدة خصوصا حينما يتم التلاقح بين صنفين مختلفين من الناحية الجينية، وهو ما يدفع الباحثين والمهندسين بالمعهد الوطني للبحث الزراعي بمواكبة الاصناف الموجودة في السوق ودراستها وتقييم وملائمتها وتتبع الأصناف الجديدة التي فاقت 200 صنف من اللوز، كما ينصح هؤلاء الفلاحين بالاشتغال على أصناف ذاتية التلقيح لمواجهة التحديات المناخية، وكذا استعمال بعض الاصناف المتداولة المعروفة بتأخر تاريخ الإزهار حتى تتمكن الأشجار من الإزهار في نفس التاريخ.
ويعد تثمين اللوز إحدى المهمات الأساسية لتسويق جيد لمستخلصات هذه الفاكهة الجافة، وفي هذا الصدد أوضحت مريم بنعلي العلوي المهندسة بالمعهد الوطني للبحث الزراعي الفلاحين أن المعهد عمل على إنجاز تقنيات لتثمين اللوز، حيث انتج عجين طبيعي من الوز والليمون خال من المواد المحافظة والمثبتات الكيميائية، إلى جانب كريمة نباتية من اللوز تستعمل في التيزين، وكذا عجين من اللوز، ومربي وزبدة ممزوجة بين اللوز والتمر الطبيعي
اللوز .. فوائد صحية وغذائية كبيرة
يحتوى اللوز على قيمة غذائية عالية، وله فوائد كثيرة ويدخل الزيت المستخرج من اللوز الحلو في صناعات تجميلية وصيدلانية، حيث يطرى ويقوى الجلد الجاف ويهدئ الحكة ويسرع في شفاء الأمراض الجلدية والحروق السطحية ويسكن الام الاذن الوسطى ويرمم غشاء الطبل إضافة إلى استخدامه في المعاجين العطرية والروائح والحلويات ، كما يمكن ان يؤكل طازجا أخضر وناضج، كما يساهم تناول ثمرة اللوز في تخفيض نسبة الكولسترول في الدم ولبذورها الحلوة اثار مسكنة ومهدئة وملينة وهي مضادة للتشنج وللانيميا، وفقر الدم ومرممة للنقص المعدنى في الجسم وتساعد على النوم الهادئ.
تثمر بعض أشجار اللوز ثماراً حلوة المذاق، بينما يثمر بعضها ثماراً مرة، ويستخرج من كلا النوعين الزيت، وتعتبر اللوزات الحلوة طعاماً متميزاً فتؤكل بعد رفع القشرة الخشبية القاسية التي تغلفها، كما تؤكل طازجة في فصل الربيع بقشرتها الخضراء عند بداية نضجها وقبل أن تتخشب قشرتها التي تكون في تلك الفترة غنية بالسيليلوز، أما اللوزات المرة فلا تؤكل وينحصر استهلاكها في استخراج الزيت الذي حمض الهيدروسينانيك البروسي السام، وبعد استخراج هذا الحمض يستخدم الزيت ليعطي نكهة على الخلاصات المختلفة.
مهرجان للوز ..فرصة للتعريف بالمنتوج وتسويقه
تحتضن بلدية تافروات كل سنة مهرجانا للوز تزامنا مع فترة إزهار شجرة اللوز، يهدف إلى رد الاعتبار لهذه الشجرة، وبحث سبل تنمية المنتوج المحلي، إلى جانب تعزيز وترسيخ مبادئ الاقتصاد التضامني والاجتماعي، من خلال خلق دينامية اقتصادية تستفيد منها التعاونيات الفلاحية بالمنطقة تثميناً لمنتوجاتها وحفاظاً على طابعها التقليدي، كما يشكل لمهرجان فرصة للتعاونيات الفلاحية لتوسيق منتجاتها الفلاحية المستخلصة من اللوز كوجبة أملو، وزيت اللوز، واللوز المحمص والطبيعي، وكذا حليب اللوز.

