أيوب الغانْمية*
كثيرة هي التصورات التي ستتبادرُ عندَ قارئِ هذا المقال، خصوصا إذا علمنا أن السياسةَ تمارس في دواليب الدولة بالدرجة الأولى، فمالذي أتى بها إلى المطبخ؟
فقد يرى البعض أن ثمةَ في المطبخ أمور سياسية نوقشت هناك وتم اختيار المكان كدلالة على ظروف وملابسات النقاش.
وقد يرى البعض الآخر أن لفظ المطبخ ماهو إلا تعبير مجازي الغرضُ منهُ إيصال رسالة نصية إلى أشخاص مُعينة.
وهناك الذي سيذهب إلى أبعد الحدود وسيعتبرُ الامرَ اعتباطي غير مبني على أساس.
فكل التصورات يمكن أن تصحّ سواء التي ذُكرت والتي لم يتمّ ذِكرها، كيف لا ونحن نعلمُ أن لِكلِّ قارئ تصورهُ الخاص به للموضوع، ومني له كامل الحرية في تكييف عنوان المقال أعلاه شريطةَ التقيد بما سيردُ أدناه، فتفضلوا معي أيها الأحبة إلى المطبخ كي تعرفوا السياسة ولو قليلا .. قليلا.
في مستهلِ هذا الطرح وجب أن أذكركم أننا الآن في أواخر فبراير 2020 و أننا في الدولة المغربية، كما يجب أن أذكركم أيضا أننا مغاربة.
فَفِكرة أننا شعب مغربي توازي فكرة أننا لا نثق في رجالات السياسة، توازي أيضا فكرة أننا لا ينبغي أن نمارسَ السياسة، فبات أمر بديهي أن نقع في تناقضٍ صارخ، حيث ننتقد ولا ننتقي، ولن أدخلَ في هذا النّفَق لأنكم تعرفونَ مخرجهُ أكثرَ مني.
سأدخل في الموضوع مباشرةً..،
حديثي موجهٌ إلى فئة معينة، موجهٌ إلى ذلكَ الشاب اليافع الطموح الذي يرى في نفسهِ قادرا على تغيير واقع معين و أنه يحملُ في يدهِ اليمنى قلم وفي يده اليسرى مِسطرة، قادرٌ على رسم واقع أفضل بهذه الأدوات البخسة.
قيلَ أنه ولجَ إلى مؤسسة سياسية سميت في أمهات كُتُبِ ” منتيسكيو” و غيره من الفلاسفة بالمدرسة السياسية والتي نعرفها اليوم بإسم الحزب السياسي.
يقالُ أن هدفهُ الأوحد الدفاع و الترافع على مشاكلِ الساكنة المحلية خاصة والمجتمعِ عامة، ثم قيلَ أنه لايرغب في ولوجِ منصبٍ سامٍ على المستوى الوطني ولا حتى درجة مستشار على المستوى المحلي، إلا بعد أن يعلمَ يقينَ العِلم أنهُ فعلا أصبح قادرا على تقلدِ تِلكَ المناصب وأن المسؤوليةَ تكليف لا تشريف، شريطة التكوين النظري و التطبيقي و العمل المتفانِ و الإخلاص وأهم شيء الصدق ثم الصدق.
قيلَ أنه صُدمَ بردودِ أفعال أصدقاءهِ حول خطوته تلك، مستغربا لمَا أثيرَ من أقاويلَ وفي نفس السياق تبادر إلى ذهنه الشارد مقولةَ الكاتب المسرحي “جورج برنارد شو”
حينَ قال :
” إذا تفوهت بالعديد من التلميحات الذكية فأنت رئيس وزراء وإن دونتها فأنت شكسبير “
فطبق مايدور في ذهنهِ وترك الامرَ على حالهِ..،
إلى أن جاءت الصدمة الكبرى، حينَ علِمَ أنه وقع في الفخ حين اكتشف أن الوضع مخالف تماما لِما تصورهُ فيمَا مضى، ثم قال في ذاتيتهِ لا بأس،
سأقوم بترتيبِ أموري أولا..
وتثبيتِ جدوري ثانيا..
ثم ثالثا..،
سأحاول جاهدا الإجتهادَ لبلوغ المرام ريتما ينتهي الصراع..،
فنسيَ الغاية التي جاء من أجلها فأصبح يصارعُ لأجل البقاء.
الآن أصبحَ صديقنا صاحبُ القلمِ و المِسطرة، يتبع مَسطرة لاتدرّسُ إلا في المدرسة المُشار إليها سلفا، والسبب أنه كذبَ على نفسهِ في البداية و لم يلتزم بالعهد، أهي ضربةُ إجبار أم أن الامرَ كان اختيار؟!
هي مَسطرة يتبعها كلُّ من ولجَ عالمَ السياسية معتقدا انه دخل إلى عالمِ الأعمال، متخليا عن مبادئهِ النبيلة التي كان يتبناها قبلَ صدمتهِ تِلك، بدءًا ببيعِ نفسهِ و انتهاءًا بشراءِ أخيه، فنسيَ الغاية التي جاء من أجلها، فأصبحَ يصارع لأجل البقاء، فاعتقد أنه يمارس السياسة.
في هذا السياق تغمرني مقولة راقت لي قالها ” الدكتور هيثم الناهي” في تقديمه لكتاب – في السياسة – للفيلسوف اليوناني ” أرسطو ” حيث قال:
“بات سائدا في يومنا هذا أن مفهوم السياسة لا يتعدى أن يكون فنا من فنون الحيلة والدهاء”
ويشيرُ إلى أن الانحراف في استخدام مصطلح السياسة التي كانت أول علم يستخدمه الإنسان منذ بدء الخليقة، قد أفضى إلى تعرضه للتشويه والتضليل، وانتهى بإلغاء بنيتها وعناصرها ونظرياتها وتطبيقاتها، وهو ما يستدعي العودة إلى أسس علم السياسة التي وضعها أرسطو.
مرّت السَّنون وصاحبنا الفاضل ذو الفضيلةِ يتسلق السلاليم الحزبية أملا في إيجاد الثغرة التي تُمكنهُ من تخطي المتسللين الذين بدورهم نسوا الغاية التي جاءوا من أجلها فأصبحوا يصارعون لأجل البقاء، فاعتقدوا أنهم يمارسون السياسة، كذلكَ اعتقدَ ذو الفضيلةِ..،
جاء اليومُ الموعود، قُدِّرَ لصاحبنا وبعد معاناة طويلة ممتدة لحقبٍ متفاوتةٍ متناترةٍ أسماها بفترات النضال،
النضال الذي قال في قراراتِ نفسهِ يومهَا أنه مجرد سحابة صيف عابرة ولم يُدرك أن تلكَ السحابة عبرت على زهرةِ شبابه التي أفناها في الصراعات داخل هياكلِ الحزب، تلكَ السحابة أودت به إلى نسيان الغاية التي جاء من أجلها..
هو الآن ربحَ الرهان الذي كان همهُ الكبير بعد الغاية الأولى، رغم أنه أتى بذلك القلم الذي لطالما احتفظَ به.
الآن، صاحبنا ذو المنصب الرفيع ذو المقامِ العالي، حقق المبتغى رغمَ نقضهِ للعهد، العهد الذي كانت دباجته تضاهي دباجة أول دستور أمريكي إن لم أبالغ كثيرا، العهد الذي بُنيَ على الدفاع و الترافع على مشاكلِ الساكنة المحلية خاصة والمجتمعِ عامة، ولا رغبة في ولوجِ المناصب السامية على المستوى الوطني ولاحتى درجة مستشار على المستوى المحلي، إلا بعد العلم اليقين انهُ فعلا اصبح قادرا على تقلدِ تِلكَ المناصب و أن المسؤوليةَ تكليف لا تشريف، شريطة التكوين النظري و التطبيقي و العمل المتفانٍ و الإخلاص وأهم شيء الصدق ثم الصدق.
ذو المقام العالي الآن، له قلم و أقلام وألوان وأوراق كثيرة ودفاتر بل وسجلات ومذكرات متنوعة ومتعددة، ذو المنصب الرفيع الآن، أصبحَ في مركز اتخاذ القرار، هو الآن من صناع القرار فماذا عساهُ أن يفعل!
لا شيء حتى الآن تغير، لا شيء رُسِمَ كما كان يحلمُ عندما كان شابا يافعا، وأن الذي تغير هو واقعهُ هوَ لا الواقع إذ ذاك أدرك صاحبنا أن السياسةَ تطبخ في المطبخ، وأن الطبخ فن لايتقنه إلا أهله.
*ناشط سياسي

