القناة من الدار البيضاء
أكدت الكنفدرالية المغربية للفلاحة والتنمية القروية (كومادير)، عقب انعقاد جمعها العام العادي الثلاثاء الماضي بالرباط، أن الفلاح المغربي يواجه تحديات هيكلية متزايدة، داعية إلى فهم أفضل لواقع الميدان في ظل الظروف التي يشهدها القطاع الفلاحي الوطني.
وأوضحت الكنفدرالية أن القطاع يعيش منذ عدة سنوات ظروفا استثنائية تتسم بتوالي سنوات الجفاف، واستمرار العجز البنيوي في الموارد المائية المخصصة للسقي، والارتفاع المتواصل لتكاليف الإنتاج، ونقص اليد العاملة الفلاحية، إلى جانب التحولات العميقة التي يعرفها العالم القروي.
وأضافت أن غالبية الفلاحين، من أصحاب الاستغلاليات الصغيرة والمتوسطة بالمناطق البورية والسقوية، يواجهون مجموعة من الإكراهات المتزامنة، من أبرزها تراجع الموارد المائية المخصصة للسقي وعدم وضوح الرؤية بشأن حصص الري، بما يعيق التخطيط للإنتاج واتخاذ القرارات الاستثمارية، فضلاً عن ارتفاع أسعار المدخلات الفلاحية من أسمدة وبذور ومنتجات لحماية النباتات والطاقة والأعلاف والمعدات الفلاحية.
وأشارت إلى أن القطاع يعاني أيضاً من الخصاص المتزايد في اليد العاملة وارتفاع تكلفتها، خاصة خلال مواسم الجني، إلى جانب الارتفاع المستمر لتكاليف الإنتاج والتوضيب والنقل والتسويق، وصعوبات الولوج إلى الأسواق وتعدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك، والإكراهات الجبائية المرتبطة باسترجاع الضريبة على القيمة المضافة، فضلاً عن انعكاسات الواردات على التوازن الاقتصادي لعدد من السلاسل الفلاحية الوطنية.
وأكدت الكنفدرالية أن السعر الذي يؤديه المستهلك لا يعكس بالضرورة الدخل الحقيقي الذي يتقاضاه الفلاح، موضحة أن أسعار البيع عند الإنتاج في العديد من السلاسل الفلاحية لا تكفي لتغطية مجموع التكاليف التي تتحملها الاستغلاليات الفلاحية، والتي ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ما يستدعي تحيين المرجعيات المعتمدة لاحتساب تكاليف الإنتاج بشكل دوري حتى تستند آليات المواكبة والدعم إلى المعطيات الاقتصادية الحقيقية.
وفي ما يتعلق بتسويق بعض السلاسل الفلاحية الاستراتيجية، لفتت الكنفدرالية إلى أنه رغم تحسن إنتاج الحبوب خلال الموسم الفلاحي 2025-2026، فإن ظروف التسويق لا تزال في عدد من المناطق غير كفيلة بضمان عائد اقتصادي يغطي تكاليف الإنتاج، وهو ما يعكس الصعوبات التي تواجه شريحة واسعة من الفلاحين في تثمين منتوجهم وضمان استدامة استغلالياتهم.
ورغم هذه الإكراهات، شددت الكنفدرالية على أن القطاع الفلاحي يظل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، والأمن الغذائي، والتشغيل بالعالم القروي، والتوازنات المجالية، مشيدة بالالتزام المتواصل للفلاحين المغاربة الذين يواصلون، رغم ستة مواسم متتالية اتسمت بالجفاف وصعوبة الظرفية الاقتصادية، تأمين تموين السوق الوطنية، والحفاظ على مناصب الشغل، والاستثمار في تحديث استغلالياتهم، وتحسين نجاعة استعمال الموارد المائية.
كما أكدت أن آليات الدعم الموجهة للقطاع الفلاحي تندرج أساساً في إطار تشجيع الاستثمار وتحديث الاستغلاليات وتعزيز قدرتها على الصمود، ولا تشكل دعماً مباشراً لدخل الفلاحين، مشيرة إلى أن مستوى الدعم العمومي الذي تستفيد منه الفلاحة المغربية يظل محدوداً مقارنة بعدد من الدول المنافسة بالنظر إلى حجم التحديات التي يواجهها القطاع.
ودعت الكنفدرالية إلى التمييز بين المهنيين الحقيقيين في القطاع الفلاحي والمتدخلين العرضيين أو ذوي الطابع المضارباتي، معتبرة أن إحداث البطاقة المهنية للفلاح والكساب يمثل ورشاً ذا أولوية من شأنه تحسين تحديد هوية الفاعلين الحقيقيين وتوجيه السياسات العمومية بشكل أكثر نجاعة.
وأبرزت أيضاً الدور المحوري الذي تضطلع به التنظيمات البيمهنية في حكامة السلاسل الفلاحية وتطويرها، داعية إلى إشراكها بشكل وثيق في القرارات المتعلقة بالاستيراد والتصدير، بما يضمن التوازن بين الإنتاج الوطني وتموين السوق وتنافسية السلاسل ومتطلبات الأمن الغذائي.
وأعربت الكنفدرالية عن انشغالها إزاء بعض التحليلات أو التصريحات التي تختزل الفلاحة في موضوع للمزايدات أو السجالات السياسية، مؤكدة أن القطاع الفلاحي يمثل رهاناً استراتيجياً يرتبط بالسيادة الغذائية، والتشغيل، والاستثمار، واستقرار العالم القروي.
ودعت الكنفدرالية إلى تعبئة جماعية لكافة الفاعلين من أجل تعزيز صمود القطاع الفلاحي وتنافسيته، وضمان التدبير المستدام للموارد الطبيعية، وترسيخ السيادة الغذائية للمملكة على أسس مستدامة، مؤكدة أن الفلاحة المغربية ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل ركيزة أساسية للأمن الغذائي، والتشغيل، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية الترابية.

