القناة
في مناطق القطر السوسي عادة ما تندمج المدارس العلمية في الزوايا الدينية التي لها دور كبير في الإهتمام بالشان الديني التعليمي و هذا ظاهر جلي على إمتداد التاريخ .
و الزوايا الدينية أدت أدوارا و لها تأثيرات في شتى المجالات الدينية منها و العلمية و الإجتماعية و الإقتصادية و السياسية ما جعلها مركزية في التحكم بتاريخ و جغرافية الإنسان .
الزوايا وكما وصفها ابن مرزوق بقوله :
(و الظاهر أن الزوايا عندنا في المغرب هي المواضع المعدة لإرفاق الواردين و إطعام المحتاجين من القاصدين )
وتنقسم الزوايا الى ثلاثة أنواع كما قسمها الأستاذ محمد تاويت.
فمنها البسيطة وهي التي لم تبنى على أي ضريح و لم تنسب لأي ولي من الأولياء و الى أي طريقة من طرق الصوفية
ومنها الزاوية التي دفن بها ولي من الأولياء و تنسب إليه و الثالثة هي تنسب الى طريقة من الطرق الصوفية .
و ذكر الأستاذ المؤرخ إبراهيم حركات أن معظم الزوايا الكبرى نشأت بالذات على مشهد من النظام العلوي .و الزاوية الأم هي الزاوية القادرية بالنسبة لمعظم الزوايا الناشئية .
و بمنطقة سوس بلاد الأولياء و الصالحين لا تكاد تخلو قبيلة من القبائل من الزوايا الصوفية و من أشهرها هذه الزوايا زاوية تمكيدشت- بالكاف المعكوفة – التابعة ترابيا لمدينة تافراوت.
و ذاع صيت هذه الزاوية بعد أن تأسست بها المدرسة العلمية العتيقة كما ذكر ذلك المختار السوسي في المعسول نحو سنة 1320 ه على يد الشيخ أحمد بن محمد و إعتبرها الفرع الثاني لمدرسة تمكروت .
و المدرسة التمكيدشتية من منارات سوس التي خرجت من الأفذاذ و العلماء الذين أسسوا مدارس علمية أخرى ليس فقط في سوس بل بالحوز و مزوظة و متوكة و شياظمة و حمر و رحامنة و غيرها من المناطق .
و يعتبر الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد التمكيدشتي من أبرز الشيوخ و الأساتذة الذين تقلدوا مهمة التدريس و الإهتمام بشؤون هذه الزاوية .
تلقى الشيخ الحسن تعليمه على يد والده و بعض الشيوخ و ذكره المختار السوسي في المعسول بقوله :
( عاش مع والده عقودا من السنين فوفقه الله فسلك به نهج والده فحسنت حالته بالتقوى و إعشوشب روضه بالعلوم ثم ازهر بالتواضع و الإقتباس من الأخلاق التي يعرف بها الصوفية رضي الله عنهم .)
و يشهد له التاريخ مكانته العلمية من خلال مؤالفاته القيمة في التفسير و الفقه و التصوف و قدم خدمة جليلة لسيرة النبوية الشريفة من خلال تقريبها لعامة الناس و له منظومة مدح فيها النبي صلى الله عليه و سلم سماها تحفة اللبيب غي مدح أوصاف الحبيب . و كما أشار المختار السوسي الى أنه تقلد مسؤلية التدريس و نشر العلم و الإرشاد و الوعظ بعد وفاة والده بعد أن عبدت السبل الى الزاوية و وطئت لها الشهرة و رفرفة فوقها ألوية المعارف .
ولقد شيد المحسنون مدرسة علمية جديدة تابعة لهذه الزاوية محافظة على نمطها التقليدي و نهجها العتيق في التدريس و التلقين و مواكبة لأصالة التعليم العصري .
و لازال إلى اليوم يقام الموسم السنوي الديني بهذه الزاوية و يحضره الطلبة و الشيوخ وفقراء الصوفية الدرقاوية و لو أن المواسم الدينية فقدت تلك القيمة الروحية و الإيمانية التي من أجلها كانت تعقد و تقام.

