القناة / تيزنيت : أسامة العوامي التيوى
بين أعماق مجال أدرار ومنطقة أنزي التابعة لإقليم تيزنيت، والتي تعد جزءا من جبال جزولة بالأطلس الصغير، كانت منذ أقدم العصور تجمعا بشريا استطاع عبر مختلف الحقب والأزمنة التكيف مع مختلف الظروف التي شهدتها هذه الرقعة الجغرافية، وبصم الإنسان المحلي على وجوده بتشييد صرح حضاري شمل مختف المجالات الاجتماعية، الإقتصادية والثقافية والفكرية، لتكون بذلك الصناعة التقليدية المحلية أحد أبرز الأوجه الابداعية للتنوع الثقافي بالمنطقة.
- أنزي نموذج لإبداع الحرفي الأمازيغي
تشكل الحرف التقليدية إحدى المجالات التي أبدع فيها الإنسان المحلي، حيث اعتمد على البيئة المحلية وما تقدمه من موارد وثروات لصياغة وصقل أدوات تستجيب لمختلف احتياجاته اليومية، مستفيدا من خبرات شعوب وقبائل توافدت على هذه المنطقة منذ القدم، منها ما فضل الاستقرار النهائي بالمنطقة التي ظلت عبر التاريخ موطنا لليهود المغاربة اللذين تفننوا في مختلف الصناعات التقلدية، وأبدعوا وجمَلوا منتوجاتهم الحرفية، لتصير المنطقة مهدا للتنوع الحرفي المغربي بمشاربه العبرية والامازيغية والعربية، إلى أن أصاب هذا الإرث المادي واللامادي المحلي، طمس واندثار جراء عوامل عدة أبرزها قساوة العيش والهجرة الداخلية والخارجية، فيما لازالت منطقة أنزي اليوم حافلة بموروث حرفي غني يتمظهر بالأساس في المنتوجات الحرفية المحلية.
- تنوع حرفي يعكس مهارة الصناع المحليين.
تعرف منطقة أنزي بعدد من الحرف التقليدية المحلية، كالصياغة الفضية، والتي تشتهر بها مجموعة من الدواوير والدواوير كإمي أكني ، إنعيمن، حيث عرفت هذه الحرفة أوج ازدهارها إبان تواجد الطائفة اليهودية بالمنطقة ـ خصوصا دواوير “تيلين” وأسكا… وتتميز الصياغة الفضية بتعدد منتوجاتها وأشكالها حيث ينتج الصائغ التقليدي أنماطا من تازرزيت، تيفيلت، الدبليج، الخواتم …) وموادها الأولية من (الفضة، الذهب، معادن أخرى)، إذ تشكل هذه الصناعة تراثا حضاريا وثقافيا متميزا يتيح فرصا كبرى لاستثماره في مجالات عدة كالسياحة والتشغيل.
وتمارس حرفة الدباغـة كذلك على نطاق واسع في دواوير متعددة (دار الأربعاء ، تلين ،ايت مبارك امسعود، إلماتن وتيغمي) حيث تخضع لتقسيم محدد للعمل فيما بين القرى ليشكلوا في مجموعهم وحدة انتاجية، إذ تتخصص بعض المداشر والدواوير في تنظيف الجلد وتلوينه وإعداده لمرحلة لاحقة، بينما تتخصص مناطق أخرى في تحويل هذه المادة الأولية إلى منتوجات تقليدية محلية توظف في مختلف مناحي الحياة ( المطبخ، الملابس، الموسيقى ) فيما يوجه الفائض منها إلى الأسواق المحلية.
كما تتمركز حرفة الخزف وصناعته في مناطق ودواوير عدة منها أفا أزور ، أكني أوموحال، حيث ويعتمد على الطين المحلي كمادة أولية، فيما تتنوع المنتوجات شكلا ولونا وجودة و وجه بدورها إلى الأسوق الأسبوعية المحلية والجهوية لتظهر أخيراا محلات – بازارات – ذات طابع سياحي تستغل المنتوج لاستقطاب السياح العابرين باتجاه المناطق الجبلية المجاورة، في الوقت تعتبر هذه الصناعة منتوجا سياحيا هاما يلقى إقبالا مهما سواء لدى الأجانب أو الساكنة المحلية كما أن عددا من المقيمين بالخارج يساهمون في ترويجه خارج الوطن، ومما لا شك أن استثماره في التعريف بالمنطقة سيشكل قيمة مضافة ودافعا قويا لعجلة تجارته وتسويقه إلى أبعد الحدود مما سينعكس إيجابا على الساكنة المحلية .
وتمارس الساكنة المحلية بالمنطقة حرفا تقليدية أخرى ترتبط بمتطلبات الحياة اليومية في القرية منها ما هو مرتبط بأدوات الفلاحة كالمحراث والمنجل…ومنها ما هو مرتبط بالملابس والأفرشة ـ النسيج ـ ،بيد أن هذه الحرف تعرضت للاندثار بفعل المنافسة التي فرضها السوق واتساع الاعتماد على المصنوعات العصرية، نذكر منها الحدادة، النجارة، الخياطة التقليدية.
- الصناعة التقلدية بأنزي في حاجة إلى نهضة تنموية
رغم الأشواط التي قطعتها الصناعة التقليدية ببلادنا وما راكمته من نجاحات أهلتها لتكون عنصرا من عناصر المساهمة في الاقتصاد الوطني عبر توفير فرص الشغل وتنشيط القطاع السياحي، فضلا عن الجوانب الثقافية والحضارية للمنتوج التقليدي المغربي، فإن واقع الصناعة التقليدية بأنزي ظلت رهينة للجمود على مستويات التنظيم والتأطير والتطوير، حيث سيطر نمط التنظيم الفردي والعائلي مهيمنا على القطاع، وظل الصانع المحلي بعيدا عن البرامج والاوراش الوطنية الرامية إلى حفظ هذا الموروث وتطويره لما سلف ذكره من الأسباب.
وتعتبر هذه الحرف اليوم ثروة مادية ورمزية يمكن أن تساهم في تحريك عجلة التنمية عبر تثمينها واستثمارها في مجالات الإقتصاد والثقافة والفن والتعليم والتكوين، وهذا ما تطمح إليه مختلف البرامج والتوجهات الحكومية وبالأخص استراتيجية وزارة الصناعة التقليدية ـ رؤية2015 ـ وبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وكذا برامج المجالس المنتخبة محليا وإقليميا وجهويا، التي تهدف إلى إبراز غنى هذه الثروة وتثمينها، عبر إشراك المتدخلين المؤسساتيين والموضوعاتيين في القطاع، لمد جسور التواصل وبين حرفي المنطقة، الذين لازالوا في حاجة إلى دعم وتأطير وتنوير بمختلف البرامج الموجهة للنهوض بالمنتوج التقليدي وتطويره.

