القناة من الدار البيضاء
لم يكن تصريح فوزي لقجع بشأن استضافة بنسليمان لنهائي كأس العالم 2030 مجرد إعلان رياضي عابر، بل كشف، مرة أخرى، عن إشكال أكبر يتعلق بحدود توظيف ملف المونديال في المعركة الانتخابية.
فملف من المفترض أن يظل فوق الحسابات الحزبية والظرفية، باعتباره مشروعا وطنيا يهم المغاربة جميعا، وجد نفسه مطروحا داخل تجمع حزبي وبصيغة توحي بأن القرار حسم وانتهى الأمر.
لقجع، الذي يجمع بين رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والمسؤولية الحكومية ورئاسة مؤسسة “مغرب 2030″، اختار أن يعلن خلال نشاط انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة أن بنسليمان ستحتضن نهائي مونديال 2030، مقدما الأمر كما لو أن الكلمة الأخيرة باتت محسومة.
لكن الرد جاء سريعا من الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، الذي أكد أن القرار المناسب سيُتخذ “في الوقت المناسب”، في إشارة واضحة إلى أن الحسم الرسمي لم يصدر بعد.
وهنا تحديدا تبرز خطورة التسرع. فحين يتعلق الأمر بملف بحجم كأس العالم، لا يتعلق الأمر بإنجاز حزبي يمكن تقديمه للجمهور في مهرجان انتخابي، ولا بورقة تفاوضية يجوز استعمالها لتسجيل نقاط ظرفية أمام الخصوم السياسيين.
إنه ملف دولي تتداخل فيه اعتبارات رياضية ودبلوماسية وتنظيمية، ويفترض أن يدار بأكبر قدر من الهدوء والحذر والتوافق.
الأكثر إثارة للانتباه أن إعلان عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة جاء في سياق انتخابي محتدم، حيث تتنافس الأحزاب على استمالة الناخبين وتقديم حصيلتها ووعودها.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال مشروعا: هل كان من الضروري الزج بنهائي مونديال 2030 في خطاب انتخابي، وتحويل إنجاز أو طموح وطني مشترك إلى مادة للمنافسة الحزبية؟.
المونديال ليس ملكا لحزب، ولا لرئيس جامعة، ولا لحكومة بعينها. وإذا كان تنظيم كأس العالم 2030 يمثل مكسبا للمغرب، فإن رمزيته تتجاوز الانتماءات السياسية والانتخابية، كما أن أي نجاح يتحقق في هذا المسار سيحسب للمغرب والمغاربة قبل أن يحسب لأي لون حزبي.
والأخطر من ذلك أن صيغة الإعلان الحاسمة اصطدمت مباشرة بموقف “فيفا”. فالاتحاد الدولي سبق أن أكد أنه لم يحسم بعد مكان إقامة النهائي، قبل أن يجدد المتحدث باسمه الموقف نفسه عقب تصريحات لقجع. وهو ما يجعل التسرع في إعلان قرار لم يصدر رسميا مثار تساؤلات جدية حول طريقة تدبير ملف بهذه الحساسية.
فبدلا من ترك المفاوضات تسير في مسارها المؤسساتي والدبلوماسي، قدم التصريح مادة جاهزة للنقاش الإعلامي والسياسي، وفتح الباب أمام تأويلات كان يمكن تفاديها لو تم التعامل مع الملف بقدر أكبر من التحفظ. وفي الملفات الدولية الكبرى، قد تكون الكلمة غير المحسوبة أكثر كلفة من الصمت، خصوصا عندما تصدر عن مسؤول يوجد في موقع يجعله معنيا مباشرة بالتفاوض والتنسيق.
كما أن إدخال المونديال في الصراع الانتخابي قد يضر بصورة الملف نفسه. فالمغرب لا يتفاوض فقط مع شركائه في التنظيم، بل يتحرك داخل منظومة دولية لها قواعدها ومؤسساتها وحساباتها.
وبالتالي، فإن تحويل قضية من هذا الحجم إلى عنوان في مهرجان انتخابي قد يعطي الانطباع بأن بعض الملفات الوطنية الكبرى أصبحت جزءا من المنافسة السياسية اليومية.
ولا تقف المسألة عند حدود تصريح واحد. فاختيار لقجع خوض المعركة الانتخابية أصلا وضعه أمام معادلة شديدة الحساسية؛ إذ انتقل من موقع المسؤول الرياضي الذي استفاد من رصيد واسع بفضل النتائج التي حققتها كرة القدم المغربية بفضل الرؤية الملكية السديدة، إلى واجهة الاستقطاب الحزبي والمنافسة الانتخابية. ومع هذا الانتقال، يصبح كل تصريح قابلا للقراءة من زاوية سياسية، حتى عندما يتعلق بملف رياضي يفترض أن يحظى بإجماع وطني.
وكان يمكن للقجع أن يستثمر هذا الرصيد ليبقى ملف مونديال 2030 بعيدا عن التجاذبات الحزبية، وأن يقدم النجاح المحتمل باعتباره ثمرة عمل مؤسساتي مغربي تشترك فيه الدولة ومختلف المؤسسات والفاعلين، لا ورقة انتخابية في مواجهة حزب أو منافس.
فالمشكلة ليست في أن يطمح المغرب إلى احتضان النهائي، ولا في أن يدافع المسؤولون المغاربة عن هذا الطموح، وإنما في تقديم قرار لم يُحسم رسميا على أنه منجز محسوم، وفي توظيف ملف وطني جامع داخل سياق انتخابي ظرفي.
وبينما كان المطلوب هو الحفاظ على قوة الموقف المغربي وترك المؤسسات المختصة تعلن قراراتها في وقتها، وجد لقجع نفسه أمام رد مباشر من “فيفا” يعيد الأمور إلى نقطة الصفر: القرار لم يحسم بعد.
وهكذا، بدل أن يكون نهائي مونديال 2030 عنوانا لوحدة المغاربة حول حدث رياضي وتاريخي مشترك، تحول، بفعل التسرع وإدخاله في أجواء الحملة الانتخابية، إلى مادة جديدة للصراع السياسي. وهي نتيجة كان يمكن تفاديها ببساطة: أن يبقى المونديال للمغاربة جميعا، لا ورقة انتخابية لحسابات حزبية ظرفية.

