القناة من الدار البيضاء
عاد عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى دائرة الجدل بعد تصريحات وجهها إلى فتيات قاصرات خلال زيارة له إلى منطقة تالسينت، حيث دعا إحداهن إلى عدم التأخر في الزواج، في مشهد أثار انتقادات من فعاليات حقوقية ومدنية اعتبرت أن الخطاب لا ينسجم مع التحولات التي يعرفها المغرب في مجال حماية الطفولة ومحاربة تزويج القاصرات.
وخلال الاستقبال الذي خصص له بالمنطقة، قدمت فتيات قاصرات الحليب والتمر وفق تقاليد الاستقبال المعروفة في عدد من مناطق المملكة، قبل أن يتوجه إليهن بنكيران بنصيحة مرتبطة بالزواج، قائلا لإحداهن: “ما تعطلوش في الزواج إلى جاب الله شي راجل فيه ما يدار توكلو على الله”، وهو ما أعاد النقاش حول مسؤولية الشخصيات العمومية في اختيار خطابها، خاصة عند مخاطبة الأطفال والقاصرين.
وتأتي هذه التصريحات في سياق وطني يشهد نقاشا متواصلا حول حماية الطفولة، وتشجيع تمدرس الفتيات، والحد من ظاهرة تزويج القاصرات، خصوصا في المناطق القروية التي ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالهدر المدرسي والعوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة على مسار الفتيات.
ويرى منتقدو تصريحات بنكيران أن موقعه السياسي السابق كان يفرض عليه تبني خطاب أكثر انسجاما مع الأولويات المؤسساتية المتعلقة بتمكين الفتيات من التعليم وبناء مستقبلهن، معتبرين أن الحديث عن الزواج أمام قاصرات قد يُفهم باعتباره تغليبا لخيار اجتماعي تقليدي على حساب الحق في الدراسة والتكوين والاستقلالية.
في المقابل، قد يعتبر أنصار بنكيران أن كلامه يندرج ضمن سياق اجتماعي وثقافي محلي، وأنه لا يشكل موقفا رسميا من القوانين أو السياسات العمومية المرتبطة بالطفولة. غير أن الجدل يبرز مرة أخرى أهمية الخطاب الصادر عن المسؤولين السياسيين، ومدى تأثيره في تشكيل الوعي الجماعي حول قضايا حساسة.
وكان المغرب قد وضع خلال السنوات الماضية مجموعة من الإجراءات الرامية إلى مواجهة ظاهرة الهدر المدرسي، وتعزيز حماية الأطفال، حيث أصبحت مسألة استمرار الفتيات في الدراسة من بين الملفات التي تحظى بمتابعة مؤسساتية، خاصة في العالم القروي.
كما أعادت الواقعة إلى الواجهة انتقادات سابقة طالت بنكيران بسبب عدد من تصريحاته المتعلقة بالمرأة، والتي اعتبرها منتقدوه غير منسجمة مع خطاب حقوقي حديث يدعو إلى احترام صورة المرأة وتعزيز مكانتها داخل المجتمع.
وبينما يستمر الجدل حول طبيعة الرسائل التي تحملها تصريحات السياسيين في الفضاء العام، تطرح واقعة تالسينت سؤالا مركزيا حول الدور المنتظر من الشخصيات المؤثرة: هل ينبغي أن تعكس الخطابات العامة التحولات المجتمعية والقانونية التي يعرفها المغرب، أم أن تبقى أسيرة تصورات اجتماعية تقليدية ما زالت حاضرة في بعض المناطق؟

