القناة ـ محمد أيت بو*
هنا في أرض المغرب، حين يتفق رجل وامرأة على استكمال حياتهما تحت سقف واحد، يقصدون مكتب العدول لتوثيق الزواج على سنة الله ورسوله ويستأنسان بمدونة الأسرة للتعرف على حقوق وواجبات كل طرف، كصيغة واحدة ووحيدة لتوثيق هذه العلاقة.
أما في عدد من دول الخليج والشرق الأوسط، فإلى جانب الزواج الشرعي الموثق طبقاً للقانون، ينتشر نمط آخر من الزواج يدعى “زواج المسيار”، ويعرفه رجال الدين وعدد من الفتاوي على أنه عقد الرجل على امرأة عقداً شرعيا مستوفيا جميع الأركان والشروط، لكن تتنازل فيه المرأة عن بعض حقوقها؛ كالسكن أو النفقة أو المبيت.
ويبرر مشرعو هذا النمط من العقود بـ”رغبة الزوج في إخفاء أمر هذا الزواج عن أهله وأولاده درئا للمشاكل المحتملة منهم إذا علموا بذلك”، ويحتم على المقترنين السرية التامة لظرف ما، ما يجعل أي مولود جرائه في وضع صعب، فربما قد لا يلتقي بوالده البيولوجي طيلة حياته، وقد لا يتعرف على أشقائه من والده، ويعيش حياته وهو يحس بالدونية وأنه أقل درجة من الآخرين.
فدوى.. مواطنة مغربية ضحية “زواج المسيار”
تحكي “فدوى.ش” من فاس، لـ”القناة” كيف عاشت تجربة “زواج المسيار” مع مواطن سعودي يدعى “عادل. م . ح”، نتج عن هذه العلاقة طفل اختارا له من الأسماء “عبد الله”، قبل أن تدخل في مسار طويل من الدعاوي القضائية لإثبات النسب، بعد أن تخلى عنها بعد عودتها إلى المغرب في زمن “كورونا”.
ويتوفر موقع “القناة” على وثائق إدارية وقضائية من المؤسسات السعودية، تثبت الزواج بين فدوى وزوجها عادل، وإنجابهما لابنهما “عبد الله”، كما يتوفر هذا الأخير على جواز سفر سعودي يحمل نسب والده عادل وأمه فدوى.
أصل الحكاية
تقول “فدوى” إنني “قصدت المملكة العربية السعودية، من أجل العمل، كعاملة منزلية، لكن الأسرة التي اشتغلت عندها لمدة سنة وأربعة أشهر بالتحديد، عشت معهم “العذاب الشديد”، هذا الوضع تقول فدوى دفعني للهروب، حينها التقيت مع والد ابني الوحيد.
“بحكم هروبي من بيت الكفيل لم أكن أتوفر على بطاقة الإقامة أو جواز السفر، قدم لي والد ابني “عبد الله” وعودا بمساعدتي “ماتخفيش من تا شي حاجة”، وبالفعل كان يقدم لي مساعدات مالية”، تؤكد المتحدثة.
بعد مدة من التعارف والصداقة، تحكي فدوى “صارحته أنني هنا في السعودية من أجل العمل وتكوين مستقبل أفضل لي ولأسرتي، وليس لأمور أخرى، لاسيما أنني سيدة متزوجة في المغرب”.
آنذاك تحكي فدوى، “صارحته بمشاكلي الأسرية مع زوجي المغربي، كما أنني لا أستطيع السفر خارج السعودية، بعد هروبي من منزل كفيلي وعدم توفري على وثائق قانونية تسمح لي بذلك”.
“عادل” بحكم علاقتنا تقول فدوى، “تفهم الأمر واستخرج لي الوثائق اللازمة طالباً مني السفر إلى المغرب من أجل تطليق زوجي المغربي، وهو ما كان، وبعد عودتي صادقنا على وثيقة تثبت علاقتنا (زواج المسيار)”.
وتقول المتحدثة إنه “بعد مدة على علاقتنا حجز لي فندقاً لمدة شهر، وكان يزورني كل خميس وجمعة في الأسبوع، واقترحت عليه، كراء منزل وتجهيزه ولما لا التفكير في تكوين أسرة كزوجين، الأمر الذي وافق عليه رغم أنه لا يقيم معي بصفة دائمة”.
“بالفعل بحثت عن شقة، وانتقلت إليها، وهناك تعرفت على كفيل آخر” مضيفة أنه “زوجة الكفيل، سألتني عن العلاقة التي تربطني بالمواطن السعودي، أجبتها أنه زوجي على سنة الله ورسوله، لكن لم نوثق زواجنا عبر المحكمة بل مجرد وثيقة نقر فيها أننا زوجين”، تضيف فدوى.
وقالت إن “كفيلي حاول إقناع زوجي بتوثيق الزواج، لكنه بدأ في المماطلة والهروب، من جهتي حاولت إقناعه بأن الوضعية التي أعيشها غير مرضية وأفكر في تأسيس أسرة معك، الأمر الذي كان يرفضه بمبررات متعددة”.
وتضيف “بعد أن طال أمد هذه الوضعية لمدة أربعة سنوات، يمد لي مصروفي اليومي وكل ما أحتاجه، كما منعي من العمل لكي أبقى له وحده يزورني بين الفينة والأخرى كالعشيقة، صارحته بأنني لا أريد أن أكمل حياتي هكذا، لا سيما أنني أصبحت أحبه وأكره من يتحدث عنه بالسوء، كنت أمن النفس بأن أُكمل معه حياتي كزوجة لها واجبات وعليها حقوق”.
“بعد أن صارحته بوضعيتي وما أحس به، قال لي إنه كذلك يحبني لكنه لا يستطيع الزواج بي، بداعي أن أسرته سترفض هذا الزواج ولن يقبلوا له الارتباط بامرأة مغربية”.
“بعدها أقنعني زوجي بالخروج من بيت الكفيل بعد مرور أربع سنوات وإقناعه بإعطائي حريتي، لكن الكفيل فطن إلى أمره ووافق على مغادرتي بشرط أن يوقع معه وثيقة على شكل التزام بأن يحسن معاملتي ولا يتخلى عني”.
انتقلت للعيش في منطقة أخرى يقطن فيها والديه، وبعد مرور مدة علموا بعلاقتنا، مما دفع والدته لمناقشة الأمر معه، مبدية اعتراضها على علاقته بي، بحكم أنني مغربية، وما يروج عن المغربية في الديار الخليجية يمنعها من مباركة هذه العلاقة.
وفتحت معه موضوع توثيق الزواج، وأنني لا أريد أن أكمل حياتي هكذا، إما إثبات الزواج بشكل قانوني معترف به في القوانين السعودية، أو تسليمي أوراق الهوية للعودة للمغرب.
وتقول فدوى، إن عادل آنذاك كان يبلغ من العمر 28 سنة، والقوانين السعودية لا تعترف بالزواج من أجنبية بحكم أنه “قاصر”، وبعد مدة قدمنا الأوراق المطلوبة لتوثيق الزواج بشكل رسمي، في مدينة جدة، وبعد مدة تم رفض الطلب، بداعي أن الزوج “عادل” يجب أن يتزوج أولا سيدة سعودية الجنسية، أو الحصول على موافقة والديه.
“لا ارتباط مع المغربيات”
وتحكي المتحدثة “بعدها قدم لي والدته في فضاء عام حيث رفضت الحضور إلى المنزل الذي أقيم فيه، وواجهتني بأن علاقتي بابنها “غلط”، ولم تلده لكي يصرف علي، بل تريد تزويجه لكن ليس بمواطنة مغربية”.
فدوى قالت بأنها بعد أن واجهت أم “عادل”، وعبرت لها عن عدم استعدادها للانفصال عنه، بعد أن عاشا علاقة حب تجاوزت الأربع سنوات، بدأت المشاكل مباشرة بعد أن التقت بوالدته التي رفضت جملة وتفصيلا علاقتنا ولا يمكنها مباركتها، حينها اقتراح علي الزواج من امرأة أخرى، في البداية رفضت لكنني في الأخير وافقت بعد أن علمت أنه سيسوي وضعيتي الاجتماعية والقانونية”.
قبل أن يعقد قرانه بالسيدة السعودية، تحكي “فدوى” رفض والده الموافقة على زواجه إذا لم أغادر أنا المملكة السعودية بصفة نهائية”، هنا تضيف فدوى “بدأت المشاكل بيننا والصراعات اليومية، لأقرر أن أخرج من البيت الذي كان يكتريه لي، وحجز لي رفقة والدتي فندقا غير مصنف ولا يحترم أدنى شروط العيش الكريم، بعدها بأربعة أيام قصدت بيت الكفيل”.
“حكيت للكفيل معاناتي وما مررت به، استقبلني من جديد وأعطاني بيتا لأقيم فيه أنا ووالدتي إلى أن أتدبر أمري، بعد مدة بعد أن عزمت على أداء العمرة رفقة والدتي، اكتشفت عبر التحاليل الطبية أنني حامل”.
وتقول إن “زوجة الكفيل نصحتني بالإجهاض ورفضت، الأمر الذي زكاه الكفيل لاسيما أن والده معروف، حينها حاول التواصل مع “عادل” لكنه لا يرد ويرفض التواصل معه عبر أخيه”.
متاهة المحاكم
بعد أن رفض التواصل معي، تسرد فدوى، كيف أن الكفيل “واجهه باللجوء للمحكمة لإثبات الأبوة، وأنني قد اكتشفت حملي بعد أسبوع من مغادرتي للبيت الذي أقيم فيه، بعد أن حاول التملص من مسؤولية الحمل، استسلم في الأخير للأمر الواقع وعاد للتواصل معي وزيارتي”.
“وبعد خمسة أشهر، قصدنا المحكمة أنا وكفيلي قصد رفع دعوى قضائية ضده لإثبات النكاح، وصرحت للقاضي بالعلاقة التي تربطني بعادل لمدة خمسة سنوات والتي نتج عنها حمل”، تضيف المتحدثة.
“أثناء المحاكمة تخلف غير ما مرة من الحضور، إلى أن تم إحضاره في حالة اعتقال، وواجهه القاضي بالمنسوب إليه، مشدداً أن العلاقة التي كانت تربطه بي غير شرعية وغير قانونية، وغير معقول ما اقترفه طيلة هذه المدة”، تؤكد فدوى.
وتتذكر المتحدثة أنه “في إحدى الجلسات اعترف “عادل” بحبه لي أمام القاضي، وقال إن ظروفه لم تسمح باستكمال حياته معي، لاسيما بعد المعارضة الشديدة لعائلته، واقترح عليه القاضي إما الزواج بي، أو الاعتقال والحكم بـ100 جلدة، فوافق على الاقتراح الأول رغم المعارضة الشديدة لوالده”.
بعد شهر من “الجرى وتمارة”، تقول فدوى “لإعداد الوثائق المطلوبة لتوثيق الزواج، وجدنا القاضي تم تغييره وقمنا باستئناف الدعوى، حيث رفضت المحكمة توثيق الزواج وأكدت أن القاضي الأول لم يكن موفقاً في حكمه بل النازلة تستدعي الحكم بالسجن”.
وتسترسل المتحدثة ذاتها، أنه “بعد اقتراب موعد وضعي لابني “عبد الله” وجدت نفسي لا أتوفر على أي وثيقة تثبت هويتي، إذ رفض الطبيب قبول عقد “زواج المسيار” الذي أتوفر عليه، مشيراً إلى أنه لدخول المستشفى لابد من عقد زواج رسمي، ولا أستطيع قبولك هنا إلا به”.
وبعد محاولات كثيرة، تتابع فدوى “أثبتنا للطبيب بالوثائق أننا في خضم دعوى قضائية لإثبات النسب، فقبل بشرط دفع مبلغ مالي قدره 10.000 ريال سعودي، وتعهد أنه لا يتحمل مسؤولية ما إذا توفي الجنين خلال عملية الولادة القيسرية”.
“بعد أن مرت عملية الولادة قيسرياً على ما يرام رفض الطبيب تسليمي شهادة ميلاد إبني، مكتفياً بشهادة تطعيم المولود إلى أن يتم إثبات النسب عبر المحكمة”.
مباشرة بعد ازدياد المولود، تقول المتحدثة “أهملنا “عادل”، وبدأ يؤسس لحياته رفقة سيدة أخرى، فرفعت دعوى قضائية أخرى لإثبات النسب والأبوة، فتوفقت في ذلك بعد رحلة ماراطونية في المحاكم وأقسام الشرطة، فحصلت على الجنسية لابني “عبد الله”.
العودة إلى المغرب
“في الوقت الذي حاولت رفع دعوى قضائية أخرى ضده من أجل النفقة وثبوت الزوجية، مرضت والدتي التي عادت إلى المغرب بعد أن سجل ضدها عادل بلاغ هروب، ولا يمكنها الاستمرار في الإقامة داخل التراب السعودي، وعدت إلى المغرب رفقة أبني بعد أن تدخل الكفيل من جديد”، تردف المتحدثة.
عودتي إلى المغرب تزامنت مع ظروف جائحة كورونا، لكي أطمئن على والدتي التي كانت في وضعية صحية حرجة، طالبت “عادل” بتجديد تأشيرتي، إلا أنه كان يماطل كل مرة، إلى أن انتهت المدة القانونية للتأشيرة، ولا يمكنني العودة إلى المملكة السعودية إلا بتدخل الكفيل، لكن هذا الأخير بدوره يماطل.
أمام هذا الوضع توجهت نحو السفارة السعودية هنا بالمغرب، فتم اعتقالي داخلها بشبهة “تهريب طفلي السعودي الجنسية”، قبل أن يتدخل السفير وبعد أن أمددته بكل الوثائق التي تثبت أن الطفل إبني.
أكد السفير السعودي، أن إبني “عبد الله” يمكنه السفر لكن لوحده، وأنا لا يمكنني ذلك لأنني محسوبة على الكفيل كعاملة منزلية، وأن علي التوجه للمكتب المكلف بالعمال المنزليين.
المهم، تقول فدوى بعد أن اتصلت بي السفارة لإعداد الوثائق المطلوبة، توجهت نحو وكالة الأسفار، التي رفضت منحي تأشيرة العودة إلا بوثيقة من الكفيل يؤكد وجود أب الطفل، تواصلت مع كفيلي وتجاهلني وألح علي باللجوء إلى أب الطفل، هذا الأخير تملص كعادته من مسؤوليته، واقترح علي المكوث في المغرب إلى أن يستخرج لي تأشيرة جديدة.
مقترحه هذا، تقول فدوى، “فخ للتخلص مني بصفة نهائية، فأنا خرجت من المملكة السعودية “خروج العودة” ولا يمكنني العودة إليها مدة خمس سنوات، يعني مسألة التأشيرة الجديدة لا يمكنها أن تحل المشكل”. تقول فدوى.
تواصلت مع السفارة من جديد، وقالوا لي أنه لدي الحق في العودة إلى السعودية بتأشيرة الدخول القديمة إلى غاية شهر رمضان، بشرط أن يستخرج لي الكفيل خطاباً جديداً من لدن مكتب الجوازات هناك في السعودية، وهو ما رفضه الكفيل بدعوى أنني مرتبطة بـ”عادل” وهو الذي يجب عليه تحمل مسؤوليته بإعادتي إلى بلد الحرمين”.
وتابعت: “عادل حاولت مراراً وتكراراً أن أقنعه بإعادتي إلى السعودية أنا وابنه، إلا أنه أسس حياة زوجية أخرى وتخلى عنا”، مؤكدة “أنا لا أطالب سوى بحقي وحق ابني ضحية هذه العلاقة المبنية على وثيقة زواج المسيار، والتي أكدت صحتها وقانونية أحكام القضاء السعودي”.
لن أتخلى عن قضيتي وقضية ابني
تقول فدوى إنها تحاول البحث عن جمعيات مختصة في الدفاع عن حقوق المرأة والطفل، لتسليط الضوء على قضيتها، والتي تجرعت مرارتها طيلة هذه السنوات.
في حين زوجها الذي اعترف بمنطوق أحكام محكمة الأحوال الشخصية بمحافظة جدة، بعلاقتهما، ومعاشرتها معاشرة الأزواج، وأن ابنه من دمه وصلبه، يعيش حياته هناك رفقة زوجته السعودية، ويبني مستقبله الأسري في أمان.
تحكي فدوى بكثير من الأمل، أنه بعد ست سنوات من الغربة، وجدت أشياء كثيرة تغيرت هنا في المغرب، وسأبحث عن جمعيات وجهات تتبنى قضيتي من أجل جمع شمل أسرتي المعلقة، فبعد أن كنت أجنبية في بلد الحرمين، أصبح اليوم ابني “عبد الله” أجنبياً في المغرب”.
*(صورة تعبيرية)

