القناة – محمد بودويرة
تحولت وفاة مهاجر مغربي يدعى عبد الرحيم فاكر، خلال تدخل أمني بمدينة بولونيا شمال إيطاليا، إلى قضية رأي عام هزت الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية الإيطالية، بعدما وثقت مقاطع فيديو متداولة اللحظات الأخيرة من حياته وهو يردد عبارات استغاثة قبل أن يفقد الوعي، في مشهد أثار موجة واسعة من الجدل والمطالب بفتح تحقيق شامل لكشف ملابسات الحادث.
وتعود تفاصيل الواقعة إلى صباح أمس الأحد 19 يوليوز الجاري، عندما تلقت الشرطة الإيطالية عدة بلاغات من سكان حي “بيلاسترو” بمدينة بولونيا، أفادوا فيها بوجود رجل في حالة اضطراب بالقرب من مرائب إحدى الإقامات السكنية.
وعلى إثر ذلك انتقلت دورية للشرطة إلى المكان، مرفوقة بطاقم من الإسعاف، للتعامل مع الوضع.
ووفق الرواية الأولية التي قدمتها السلطات، فقد كان الرجل في حالة هيجان، وألحق أضرارا بسيارة للشرطة، قبل أن تتطور الأحداث إلى محاولة السيطرة عليه وتوقيفه.
وتشير المعطيات التي أوردتها وسائل إعلام إيطالية إلى أن عناصر الشرطة استخدمت رذاذ الفلفل، قبل أن تعمل على تثبيت عبد الرحيم فاكر أرضا وتقييد يديه وقدميه.
وخلال عملية التوقيف ظهر في مقطع فيديو صوره أحد سكان الحي وهو يكرر عبارة “النجدة… كفى”، بينما كان يحاول التقاط أنفاسه، قبل أن يتوقف عن الحركة.
وبعد دقائق تدخل المسعفون لمحاولة إنعاشه، غير أنه فارق الحياة في مكان الحادث.
وأثار الفيديو المتداول ردود فعل غاضبة داخل إيطاليا، إذ اعتبر عدد من الحقوقيين والسياسيين أن المشاهد تفرض ضرورة التحقق من مدى احترام عناصر الشرطة لقواعد استخدام القوة أثناء عملية التوقيف، خصوصا وأن الضحية ظل مثبتا على الأرض لعدة دقائق.
وفي المقابل، شددت السلطات الإيطالية على أن المقطع المصور لا يمثل سوى جزء من الواقعة، وأن إعادة بناء جميع تفاصيلها ستعتمد على تسجيلات كاميرات الجسم الخاصة بالشرطة، وشهادات الشهود، والتشريح الطبي.
وباشرت النيابة العامة في بولونيا تحقيقا قضائيا، وأمرت بإجراء تشريح طبي للجثمان، مع حجز تسجيلات كاميرات الجسم التي كان يرتديها عناصر الشرطة المشاركون في التدخل، إضافة إلى جمع تسجيلات كاميرات المراقبة والاستماع إلى إفادات الشهود.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تحديد السبب الدقيق للوفاة، ومعرفة ما إذا كانت ناجمة عن الحالة الصحية للضحية أو عن ظروف التوقيف أو عن عوامل أخرى سيحددها التحقيق.
وحتى الآن، لم تعلن النيابة عن النتائج النهائية، كما لم توجه اتهامات رسمية لأي من عناصر الشرطة.
وفي موازاة التحقيق القضائي، فتح جهاز الإسعاف المحلي تحقيقا إداريا لمراجعة طريقة التعامل مع الحالة، في إطار التدقيق في مختلف مراحل التدخل الطبي والأمني، بينما أكد جهاز الشرطة استعداده لوضع جميع التسجيلات والأدلة رهن إشارة القضاء.
وعلى المستوى الشعبي، شهدت مدينة بولونيا وقفات احتجاجية ومسيرات شارك فيها مئات الأشخاص، رفعوا شعارات تطالب بـ”الحقيقة والعدالة”، فيما دعا عمدة المدينة ماتيو ليبوري إلى تجمع في ساحة نيتونو تضامنا مع عائلة الضحية، ومطالبة بتحقيق سريع وشفاف.
كما استحضرت بعض التظاهرات شعارات مستوحاة من حركة “حياة السود مهمة”، في إشارة إلى الجدل حول أساليب التوقيف واستخدام القوة.
وأثارت القضية أيضا انقساما سياسيا داخل إيطاليا، إذ طالبت أحزاب المعارضة بكشف جميع المسؤوليات ومحاسبة كل من يثبت تورطه في أي تجاوز، بينما دعت أحزاب الائتلاف الحكومي إلى انتظار نتائج التحقيق قبل إصدار الأحكام، مع تأكيدها دعم رجال الشرطة إلى حين اتضاح ملابسات الحادث.
من جهتها، أكدت عائلة عبد الرحيم فاكر أن الضحية كان يقيم في إيطاليا منذ طفولته، وكان يدير مشروعا صغيرا في مجال النقل والتنظيف، مطالبة بتحقيق مستقل يضمن كشف الحقيقة كاملة.
وقال أفراد من أسرته، في تصريحات لوسائل إعلام إيطالية، إنهم يريدون الاطلاع على جميع التسجيلات المصورة وتحديد المسؤوليات إذا ثبت وقوع أي استعمال مفرط للقوة أو تقصير في تقديم الإسعافات اللازمة.
وتبقى القضية مفتوحة على جميع الاحتمالات في انتظار نتائج التشريح الطبي والخبرات القضائية، التي ستحدد بصورة نهائية سبب الوفاة والمسؤوليات القانونية، في ملف بات يحظى بمتابعة واسعة من الرأي العام الإيطالي ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية، وسط إجماع على ضرورة الوصول إلى الحقيقة وضمان سير التحقيق بكل استقلالية وشفافية.

