القناة – محمد بودويرة
تتجه أنظار جماهير كرة القدم في مختلف أنحاء العالم، اليوم الخميس، نحو قارة أمريكا الشمالية، وتحديدا إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو التي ستحتضن الافتتاح الرسمي للنسخة الـ23 من كأس العالم، وذلك على أرضية ملعب “أزتيكا” الشهير، أحد أكثر الملاعب رمزية في تاريخ اللعبة، انطلاقا من الساعة الواحدة ظهرا بالتوقيت المحلي (الثامنة مساء بتوقيت المغرب).
وتحمل هذه النسخة طابعا استثنائيا بكل المقاييس، كونها تنظم لأول مرة بشكل مشترك بين ثلاث دول هي المكسيك والولايات المتحدة وكندا، في مشروع كروي ضخم يعكس التحول الكبير الذي تعرفه البطولة على مستوى التنظيم والبنية والانتشار العالمي.
وتفتتح المنافسات بمواجهة قوية تجمع المنتخب المكسيكي بنظيره الجنوب إفريقي، في مباراة لا تقتصر أهميتها على الجانب الرياضي فقط، بل تمتد إلى كونها حدثا احتفاليا عالميا يعلن بداية أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم، وسط أجواء جماهيرية مرتقبة وحضور إعلامي ضخم.
وقبل انطلاق صافرة البداية، سيكون ملعب “أزتيكا” مسرحا لحفل افتتاح فني عالمي الطابع، يجمع بين الموسيقى والعروض البصرية، حيث يتصدر المشهد عدد من أبرز نجوم الساحة الفنية العالمية، من بينهم النجمة الكولومبية شاكيرا، والنجم النيجيري بورنا بوي، اللذان سيقدمان أداء مشتركا للأغنية الرسمية للبطولة “داي داي”، في عرض ينتظر أن يطوف العالم عبر البث المباشر.
كما سيشارك في هذا الحفل كل من الفنان الكولومبي جيه بالفين، وفرقة الروك المكسيكية الأسطورية “مانا”، في توليفة موسيقية تمزج بين الإيقاعات اللاتينية والروك الحديث، بينما ستضيف لوحات استعراضية يشارك فيها أكثر من 500 راقص وفنان من “المارياتشي” بعدا بصريا مميزا، يجسد التنوع الثقافي والتاريخي العميق للمكسيك.
وعلى الصعيد الرياضي، يدخل المنتخب المكسيكي المباراة الافتتاحية بطموح كبير لتحقيق بداية مثالية أمام جماهيره التي تمني النفس بانطلاقة قوية تعكس مكانة “التريكولور” كأحد المنتخبات الأكثر حضورا في بطولات المونديال، بينما يسعى منتخب جنوب إفريقيا “بافانا بافانا” إلى كسر أجواء الاحتفال وخطف نتيجة إيجابية تعزز حضوره في المجموعة الأولى.
ويحمل اختيار ملعب “أزتيكا” رمزية تاريخية استثنائية، إذ يصبح أول ملعب في العالم يستضيف المباراة الافتتاحية لثلاث نسخ مختلفة من كأس العالم، بعد نسختي 1970 و1986، ما يرسخ مكانته كأحد معالم كرة القدم العالمية.
وتشهد نسخة 2026 تحولا جذريا في تاريخ البطولة، مع رفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخبا، وتوزيعها على ثلاث دول مستضيفة، في سابقة هي الأولى من نوعها، وهو ما دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى اعتماد نظام احتفالات افتتاحية متعددة، بحيث تقام فعاليات خاصة بكل دولة تزامنا مع أول مباراة تلعب على أرضها.
وفي هذا الإطار، تستعد مدينة تورونتو الكندية لاحتضان حفل افتتاح كندا يوم الجمعة، في عرض فني وثقافي يسلط الضوء على التنوع المجتمعي الكندي وتطور كرة القدم في البلاد، وذلك قبل المواجهة التي تجمع المنتخب الكندي بنظيره البوسني.
أما في الولايات المتحدة، فستكون مدينة لوس أنجلس، وتحديدا ملعب “سوفي”، على موعد مع عرض موسيقي ضخم يمزج بين موسيقى البوب والراب، بمشاركة أسماء عالمية مثل كاتي بيري ومغني الراب فيوتشر، على أن يعقبه لقاء كروي قوي يجمع المنتخب الأمريكي بنظيره الباراغواياني.
وعلى المستوى التنافسي، لا ينظر إلى مونديال 2026 باعتباره مجرد نسخة موسعة، بل إعادة صياغة شاملة لشكل البطولة، إذ سيقام خلال 39 يوما بين 11 يونيو و19 يوليوز، ويتضمن 104 مباريات، في أكبر عدد من اللقاءات في تاريخ كأس العالم.
وسيعتمد نظام المجموعات الجديد الذي يقضي بتقسيم المنتخبات إلى 12 مجموعة تضم كل منها 4 فرق، على أن يتأهل متصدر ووصيف كل مجموعة، إضافة إلى أفضل 8 منتخبات تحتل المركز الثالث، إلى الدور ثمن النهائي، ما يرفع من حدة المنافسة ويزيد من فرص المفاجآت.
وينتظر أن يفتح هذا النظام الباب أمام منتخبات من قارات مختلفة لإثبات حضورها على الساحة العالمية، خصوصا من آسيا وإفريقيا وأمريكا الشمالية، في ظل توسع قاعدة المشاركة وتغير موازين القوة التقليدية في كرة القدم الدولية.
ومن أبرز المواجهات المنتظرة خلال دور المجموعات، مباراة قوية تجمع بين البرازيل والمغرب يوم 13 يونيو على أرضية ملعب “نيويورك نيو جيرسي”، في اختبار حقيقي لمنتخب “أسود الأطلس” أمام أحد أقوى المنتخبات في تاريخ اللعبة، خاصة بعد الإنجاز التاريخي للمغرب في مونديال 2022 بوصوله إلى نصف النهائي.
وسيواصل المنتخب المغربي مشواره بمواجهة إسكتلندا في بوسطن يوم 19 يونيو، قبل أن يختتم دور المجموعات بمواجهة هايتي في أتلانتا يوم 24 يونيو، في مجموعة تبدو متوازنة لكنها لا تخلو من التحديات.
اقتصاديا، يتوقع الاتحاد الدولي لكرة القدم أن يحقق مونديال 2026 أرقاما غير مسبوقة من حيث العائدات ونسب المشاهدة، مدفوعا بعقود بث إعلامي ضخمة وصفقات رعاية عالمية، ما يعزز مكانته كأضخم حدث رياضي وتجاري على مستوى العالم.
أما على المستوى التنظيمي، فتعتمد الدول الثلاث المستضيفة على أحدث التقنيات، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، لتحسين إدارة الحدث، من خلال تحليل البيانات في الزمن الحقيقي، وإدارة حركة الوفود، ومراقبة جاهزية الملاعب والبنية التحتية بشكل استباقي.
كما سيشهد الجانب التحكيمي تطورا لافتا مع توسيع الاعتماد على تقنية الفيديو المساعد (VAR)، وتكنولوجيا التسلل شبه الآلي، إضافة إلى التحليلات الرقمية الفورية، وهو ما سيؤثر بشكل مباشر على إيقاع المباريات ودقتها.
وبين الطموح التنظيمي الضخم، والتحول التكنولوجي العميق، والامتداد العالمي غير المسبوق، يدخل مونديال 2026 مرحلة جديدة في تاريخ كرة القدم، تتجاوز حدود المنافسة الرياضية التقليدية، لتصبح تجربة كونية تجمع بين الرياضة، والثقافة، والتكنولوجيا، والاقتصاد في حدث واحد ضخم.

