القناة ـ محمد أيت بو
“قانون مالي اجتماعي محض”، هكذا وصف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، مشروع قانون المالية لـ2023، الذي أعدته الحكومة في ظرف وطني وسياق دولي خاصيين.
انتظارات المغاربة من مشروع قانون المالية للسنة القادمة، ترتكز على معطى أساسي، يتجلى في كونه أول مشروع مالية تعده وتواكبه الحكومة الحالية منذ البداية، على اعتبار أن مشروع قانون المالية لـسنة 2022 أعدته الحكومة السابقة وأدخلت عليه حكومة عزيز أخنوش تعديلات وإشارات عن هويتها ورؤيتها لولايتها الحالية.
فهل دشن المشروع بداية ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية؟، وإلى أي حد يلبي مصالح وانتظارات الطبقات الاجتماعية وفي مقدمتها الفئات المعوزة؟.
الأولوية للقطاعات الاجتماعية
وفق معطيات وزارة الاقتصاد والمالية، فمشروع “مالية 2023” سيعطي الأولوية للقطاعات الاجتماعية، وفي مقدمتها مواصلة تنزيل الورش الملكي بتعميم الحماية الاجتماعية وورش الإصلاح الشامل للمنظومة الصحية الوطنية، كما تلتزم الحكومة بإنجاح تنزيل خارطة الطريق المتعلقة بإصلاح النظام التعليمي لتقوية المدرسة في تثمين الرأسمال البشري وفي الإدماج الاقتصادي والاجتماعي للشباب، فضلا عن مواصلة جهودها من أجل إنعاش التشغيل ودعم السكن.
وفي نفس السياق، التزمت الحكومة بالسهر على الوفاء بالتزاماتها المتوافق بشأنها في إطار الحوار الاجتماعي، وعلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما عبر دعم أسعار بعض المواد الأساسية، والتصدي للمضاربات وتأمين إمداد الأسواق بها.
ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية
في هذا السياق، منذ البداية حددت المذكرة التأطيرية لإعداد مشروع المالية لـ2023، التي وجهها رئيس الحكومة إلى القطاعات الوزارية، أولويات مشروع قانون المالية وتوجهاته الرئيسية.
ونص مشروع المالية لـ2023، على مجموعة من الإجراءات التي تهدف بشكل خاص إلى إنعاش الاقتصاد الوطني ومواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي شرعت فيها الدولة المغربية.
ووضعت الحكومة في مقدمة أولوياتها في هذا السياق، تعميم التعويضات العائلية وفق مقاربة جديدة تقوم على الدعم المباشر، عبر استهداف الفئات المعوزة والمستحقة لهذه التعويضات، مع تنزيل تعميم هذه التعويضات وفق برنامج محدد، وسيستفيد منها حوالي 7 ملايين طفل من العائلات الهشة والفقيرة على الخصوص، وثلاثة ملايين أسرة بدون طفل في سن التمدرس.
وأكد المشروع على ضرورة الإسراع بإخراج السجل الاجتماعي الموحد، باعتباره الآلية الأساسية لمنح الدعم، وضمان نجاعته، إلى جانب إعطاء زخم جديد لدعم التشغيل، وذلك من خلال الأخذ بعين الاعتبار مختلف الفئات العمرية والمجالية.
والتزمت الحكومة بمواصلة البرامج التي تم إطلاقها، لاسيما مواصلة تنزيل برنامج “أوراش”، الذي يروم خلق 250 ألف منصب شغل، خلال سنتي 2022 و2023، علاوة على تشجيع مبادرات الشباب حاملي المشاريع في المجال الفلاحي، ومواصلة تنزيل برنامج “انطلاقة”، فضلا عن مواصلة تفعيل برنامج “فرصة” لدعم المبادرات الفردية للمشاريع، عبر المواكبة والتوجيه والتكوين على امتداد جميع أطوار المشروع حتى تحقيقه.
المنظومة الصحية هي بدورها أحد الأولويات الكبرى التي أعلنت عنها الحكومة، عبر التنصيص على مواصلة تأهيل القطاع الصحي، من خلال تنزيل مقتضيات مشروع القانون الإطار المتعلق بالمنظومة الصحية، الذي تمت المصادقة عليه خلال المجلس الوزاري المنعقد يوم 13 يوليوز 2022.
ونص مشروع قانون المالية 2023 على إخراج قانون الوظيفة الصحية، وتفعيل مخرجات الحوار الاجتماعي في ما يتعلق بتحسين الوضعية المادية للأطر الصحية.
من جانب آخر، تسعى الحكومة لتزيل تنزيل خارطة الطريق لإصلاح المنظومة التعليمية 2022-2026، والتي تهدف إلى خفض نسبة الهدر المدرسي بمقدار الثلث، وزيادة معدل تمكين المتعلمين من الكفايات الأساسية إلى 70 في المائة، بدل المعدل الحالي الذي لا يتجاوز 30 في المائة.
كما نص مشروع قانون المالية، على تيسير الولوج إلى السكن اللائق، ومواصلة تنزيل إجراءات البرنامج الحكومي في مجال الإعاقة عبر إعداد مخطط عمل وطني مندمج، للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة للسنوات الخمس المقبلة.
نفَسُ الدولة الإجتماعية حاضر
ويرى المحلل والباحث في الشؤون الاقتصادية، محمد جدري، أنه “عند الحديث عن مشروع قانون المالية لسنة 2023 يجب التفريق بين الفئات المجتمعية”، مضيفا أنه “عندما نتحدث عن طبقة ذوي الدخل المحدود فإن مشروع قانون المالية جاء بمجموعة من الإجراءات التي تصب في صالحهم”.
وعدد الباحث، في تصريح خص به جريدة “القناة”، الإجراءات ذات الأثر على الطبقات الاجتماعية من ذوي الدخل المحدود، والتي نص عليها المشروع، أبرزها ” تعميم التامين الإجباري على المرض والذي سيمس 22 مليون مغربي”، فضلا عن تدشيه مرحلة “تنزيل التعويضات العائلية والتي سوف تستهدف 7 ملايين طفل في سن التمدرس و3 ملايين أسرة ليس لديها أطفال أو ليس لديها أطفال في سن التمدرس”.
وأضاف المحلل الاقتصادي، أن المشروع خصص “ميزانية قياسية تصل إلى 97 مليار درهم لقطاعي التعليم و الصحة ستمكن من تحسين الولوج و جودة هاذين القطاعين”، وكذا “تخصيص 10 ملايير درهم من أجل تقليص الفوارق المجالية من مسالك طرقية وبنية تحتية تعليمية، صحية و خدماتية”.
كما ذكر المتحدث ذاته، عن تنصيص المشروع على ” تخصيص إعانة لدعم السكن الذي لا يتجاوز سقف 300.000 درهم”، مع مواصلة تنفيذ “برنامج أوراش بغلاف مالي يصل لملاىين و250 مليون درهم للسنة الثانية على التوالي، ومواصلة تفعيل برنامج فرصة من أجل تشجيع الشباب المقاول بغلاف مالي يصل إلى مليار و 250 مليون درهم”.
وأبرز محمد جدري، أن مشروع قانون المالية خصصت “اعتمادا ماليا يصل إلى 26 مليار درهم من أجل دعم القمح اللين، السكر و غاز البوتان عن طريق صندوق المقاصة”.
من جانب آخر، قال المتحدث ذاته، إنه “بالمقابل، فإن الطبقة المتوسطة لن تستفيد إلا من إجراءات” اعتبرها “بسيطة”، من قبيل “تخفيض الضريبة على الدخل في حدود مابين 25 و 187 درهم”، وكذا إعانة لدعم السكن المتوسط الذي يفوق 600.000 درهم”.
بل أكثر من ذلك، يضيف المحلل الاقتصادي أن هذه الفئة المجتمعية “ستجد نفسها أمام ضريبة داخلية على الاستهلاك جديدة متعلقة بالمنتوجات التي تحتوي على السكر، و قد تجد نفسها قريبا في مواجهة أسعار المواد الأساسية لأنها لن تستفيد من دعم مباشر من طرف الدولة عكس طبقة ذوي الدخل المحدود”.
وخلص المحلل الاقتصادي محمد جدري، إلى أنه “يمكن القول إجمالاً أن نفس الدولة الاجتماعية حاضر في مشروع قانون المالية، لكن، على حساب مكتسبات الطبقة المتوسطة التي تعتبر صمام الأمان بالنسبة للاقتصاد لمساهمتها المهمة في الاستهلاك”.
واستدرك بالقول: “لكن، إكراهات الهوامش المالية طغت على هندسة مشروع قانون المالية، وبالتالي، كان من الضروري التضحية بفئة مجتمعية”، وفق تعبيره.

