القناة من الدار البيضاء
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عاد النقاش حول موقع عبد الإله بنكيران داخل المشهد السياسي الوطني إلى الواجهة، خاصة في ظل محاولاته المتكررة توجيه الخطاب نحو عدد من الفاعلين السياسيين. فعلى مدى السنوات الأخيرة، سعى بنكيران، بصفته الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى استعادة حضور حزبه في الساحة السياسية عبر مواقف وتصريحات تستهدف جذب الانتباه العام.
ورغم الانتقادات التي وجهها بنكيران لرئيس الحكومة عزيز أخنوش في مناسبات متعددة، إلا أن الأخير تجنب الدخول في سجالات وملاسنات سياسية مباشرة، مفضلا التركيز على تدبير الشأن الحكومي والأنشطة التواصلية التي يقوم بها بشكل دوري. هذا التجاهل من طرف رئيس الحكومة جعل استراتيجية بنكيران أقل تأثيرا، خصوصا أن جزءا كبيرا من خطابه كان يعتمد على ردود فعل أو مواقف خصومه السياسيين.
في المقابل، لوحظ في الآونة الأخيرة لجوء بنكيران إلى استحضار فاعلين سياسيين سبق أن شكلوا جزءا من المشهد السياسي خلال العقد الماضي، ومن بينهم فؤاد علي الهمة. هذا التوجه اعتبره عدد من المتابعين محاولة من الأمين العام لحزب “الإسلاميين” لإعادة بناء خطاب حزبه على أساس خصومة سياسية تعيد إنتاج مشاهد “ديجا فو” من التنافس الحزبي.
غير أن السياق السياسي اليوم يختلف عن السنوات التي عرف فيها حزب العدالة والتنمية صعودا في شعبيته، سواء خلال فترة ما قبل انتخابات 2011 أو أثناء قيادته للحكومة. فبعد عشر سنوات من تجربة التدبير الحكومي، أصبح جزء من الرأي العام أكثر تركيزا على تقييم الأداء والنتائج، مقابل تراجع التفاعل مع الخطابات التي تعتمد سياسة “الكلاشات” والشخصنة.
ويشير متابعون إلى أن إعادة تشكيل الخطاب السياسي للحزب قبل الاستحقاقات المقبلة ستواجه تحديات موضوعية، أهمها تغير أولويات الناخبين وتراجع تأثير “البولميك السياسي” على تشكيل الرأي العام.
وما يغفله بنكيران هو أن تلك المعارك التي صنعت له شعبية في الماضي، لم تعد تجد نفس التجاوب اليوم. فالناخبون الذين خبروا تجربة عشر سنوات من وجود العدالة والتنمية في مواقع القرار، باتوا أكثر حذرا من الخطابات الشعبوية وأكثر ميلا إلى تقييم النتائج على الأرض بدل الانخراط في سجالات “لا تسمن ولا تغني من جوع”.
وهكذا، يبدو أن الباحث الأول عن “خصم انتخابي” في المغرب اليوم هو بنكيران نفسه، في محاولة لإعادة بناء قصة سياسية فقدت عناصرها الرئيسية. لكن المشهد تغير، والخصوم تغيروا، وحتى الجمهور لم يعد يشتري البضاعة نفسها كما كان يفعل في السابق.

