احساين إلحيان*
من مدينة “توسان” في ولاية أريزونا، وعلى بعد نحو ستة آلاف ميل من الدار البيضاء، قضيت ظهيرة ذلك اليوم من يونيو 2026 وأنا أتابع مباراة المغرب الافتتاحية في كأس العالم ضد البرازيل، حيث شعرت بشكل غريب أن المسافات قد فقدت معناها. فمع اقتراب صافرة البداية، بدأت الرسائل تتوالى من أصدقاء وأقارب تفرقوا في أرجاء المغرب وخارجه؛ إذ توقع صديق في الدار البيضاء فوزا مغربيا، بينما أرسل قريب من الرباط صورة لمقهى مكتظ غص بالمشجعين، في حين شارك آخر معي مقطع فيديو قصير لتجمع صاخب في نيويورك قبل ساعات من انطلاق اللقاء.
ولم تكن هذه الأجواء حكرا عليهم، بل كانت المشاهد ذاتها تتكرر في باريس وبروكسل، وأمستردام ومونتريال، والرشيدية وميلانو، فعبر قارات عدة، ضبط الناس مواعيد أمسياتهم ليتفرغوا تماما لتلك الدقائق التسعين.
ولما انتهت المباراة بالتعادل بهدف لمثله، لم تكن النتيجة هي الشيء الوحيد الذي ظل عالقا في ذهني، بل إن ما استقر في وجداني هو ذلك الشعور بأن ملايين البشر ــ على اختلاف جغرافيتهم وجنسياتهم ولغاتهم وظروفهم ــ قد ولجوا، لبرهة خاطفة، العالم العاطفي ذاته، يتشاركون القلق والبهجة، ويتذمرون سويا من قرارات الحكم، ويحدوهم الأمل نفسه.
ولم يقتصر الثناء العالمي الذي أعقب المباراة على النتيجة فحسب، بل ركز على الثقة والانضباط والإبداع التي لعب بها المنتخب المغربي، وهو ما ذكرنا جميعا بالمسافة الشاسعة التي قطعتها كرة القدم الوطنية في أقل من عقدين من الزمن.
يعيد هذا المشهد إلى الأذهان ما حدث قبل أربع سنوات، وتحديدا خلال المسيرة الاستثنائية للمغرب في مونديال قطر 2022، حيث تكرر أمر مماثل ولكن على نطاق أوسع، إذ كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها مغاربة كثر أمتهم لا تمثل بالانتصارات الرياضية فحسب، وإنما من خلال قيم أصيلة وجدوا فيها انعكاسا حقيقيا لهويتهم.
ولطالما أثارت لحظات كهذه شغف علماء الأنثروبولوجيا، بحيث أطلق عليها “فيكتور تيرنر” مصطلح Communitas الرابطة المجتمعية الفائقة، وهي فترات عابرة تذوب فيها الفوارق والتمايزات التقليدية، ويطغى عليها حس عميق بالانتماء الجماعي. ورغم أن حديث “تيرنر” كان متمحورا حول الحج والطقوس الدينية، إلا أن هذا الوصف ينطبق تماما على واقع كرة القدم.
وكان عالم الأنثروبولوجيا “ماكس غلوكمان” قد أدرك هذا البعد قبل وقت طويل من التفات الأوساط الأكاديمية لكرة القدم والاعتراف بها كمجال بحثي جاد.
فبما أن “غلوكمان” ولد لعائلة يهودية في جنوب إفريقيا واستقر لاحقا في بريطانيا، فقد كان يعي تماما معنى العيش بين عالمين، ولعل هذا الاغتراب بالذات هو ما جعله يفتن بكرة القدم.
ومن رحم هذه الفتنة، وتحديدا حين كان يقف وسط مشجعي نادي مانشستر يونايتد في مدرجات ملعب “أولد ترافورد”، لاحظ كيف تخلق اللعبة من الغرباء مجتمعا مؤقتا، حيث تذوب فوارق الجنسية والدين والطبقة والأصل أمام حقيقة بديهية واحدة تتمثل في تشجيع الفريق نفسه، ليصبح الغريب ــ ولساعات معدودة ــ ابن الدار.
ومن هنا، أدرك “غلوكمان” أن كرة القدم لم تكن يوما مجرد لعبة، ولكنها دراما اجتماعية يختبر الناس من خلالها إمكانية الانتماء.
بيد أن كرة القدم لا تمثل طقسا بالمعنى الأنثروبولوجي الكلاسيكي؛ فلا تستدعى في رحابها أسماء القديسين، ولا يستحضر فيها الأجداد، كما لا ينتظر منها أي تدخل غيبي. إنها أقرب إلى ما أسماه “غلوكمان” بـ “الاحتفالية” Ceremony ويقصد بها حدثا عموميا متكررا يقوم على الرموز والقواعد والمنافسة والمشاركة الجماعية.
وعلى الرغم من طبيعتها الدنيوية، فإنها كثيرا ما تفضي إلى نتائج تشبه مفعول الطقوس تماما، إذ تولد لحظات من التسامي، والكثافة الوجدانية، والاستغراق الجماعي الكامل، فإذا كان الطقس يربط الإنسان بالمقدس، فإن كرة القدم تربط البشر ببعضهم البعض.
وفي هذا السياق، يقدم المغرب تجسيدا حيا كونه يجمع، في توليفة فريدة، بين شتات بشري ممتد عبر العالم، وشبكات عائلية شديدة التلاحم، وموقع استراتيجي يربط إفريقيا بأوروبا، فضلا عن استثمار مستدام في كرة القدم بوصفها رافعة للتنمية الوطنية. ومن هنا، غدت هذه اللعبة ملتقى تتشابك فيه خيوط الهجرة والقرابة والطموح والمخيال الوطني.
فحيثما وليت وجهك في المغرب، تجد أن كرة القدم قد تجاوزت حدود الرياضة، وانصهرت في المقاهي والأسواق وغرف المعيشة وسيارات الأجرة وساحات القرى وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي. وقبل فترة طويلة من انطلاق الصافرة الأولى، تكون المباراة قد تغلغلت بالفعل في تفاصيل الحياة اليومية، لتصبح بمثابة خزان لا ينضب من الأمل والتفاؤل، إذ تبدأ كل مواجهة محملة باحتمال أن يولد مستقبل مغاير للماضي والحاضر معا. ففي عالم يسوده القلق وعدم اليقين، تظل كرة القدم ملاذا يتيح للبشر تجربة الأمل الجماعي وعيشه علنا.
ويتجلى هذا الأمل وسط مشهد من المفارقات التنموية بحيث يوصف المغرب المعاصر غالبا بأنه بلد يسير بسرعتين متمايزتين، فعلى طول المحور الأطلسي الممتد من طنجة مرورا بالرباط والدار البيضاء وصولا إلى مراكش، ترمز الطرق السيارة والموانئ والمناطق الصناعية والقطار فائق السرعة إلى وثبة تنموية متسارعة.
وفي المقابل، تظل الفرص أكثر محدودية في مناطق أخرى، لا سيما في بعض أجزاء الداخل والجنوب. وإذا كانت كرة القدم عاجزة عن محو هذه الفوارق الهيكلية، إلا أنها غدت، وبشكل متزايد، واحدة من الفضاءات القليلة القادرة على صياغة تجارب مشتركة تتخطى كل الانقسامات الاجتماعية والإقليمية والاقتصادية.
وغالبا ما تعزى هذه النجاحات الأخيرة إلى اللاعبين الموهوبين والإدارة الفنية الجيدة، غير أن وراء هذه الإنجازات تكمن قصة أطول، ويمكن إرجاع التحول المعاصر لكرة القدم المغربية إلى الرؤية الاستراتيجية التي صاغها الملك محمد السادس خلال المناظرة الوطنية للرياضة عام 2008. وبدلا من التعامل مع الرياضة كنشاط هامشي، وضعها الملك كقطاع حيوي للتنمية الوطنية وتكوين الشباب والإدماج الاجتماعي والإشعاع الدولي، ولذا، لا يمكن فصل الصعود اللافت للكرة المغربية طوال العقدين الماضيين عن كونه ثمرة ناضجة لهذه الرؤية الملكية بعيدة المدى.
وضمن هذه الدينامية، لعب فوزي لقجع دورا محوريا، لا باعتباره مهندس الرؤية، وإنما بصفته المنفذ الأبرز والراعي الأمين لأبعادها، فمن خلال رئاسته للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، عمل على مأسسة الاستراتيجية الملكية عبر تشييد بنية تحتية حديثة، وتأسيس أكاديميات للناشئين، وإرساء برامج تقنية ومعايير احترافية. فالرؤية التي انطلقت بإرادة ملكية، وجدت طريقها للتجسد بفضل عمل مستدام حول الآمال العريضة إلى مكتسبات واقعية.
ويأتي “مركب محمد السادس لكرة القدم” بضواحي الرباط ليكون الشاهد المادي الأقوى على هذا الطموح فهو أبعد من مجرد منشأة رياضية للتدريب، إنه منظومة حيوية متكاملة تجمع تحت سقف واحد المنتخبات الوطنية، وناشئي الأكاديميات والمدربين والأخصائيين الطبيين والإداريين. وفي هذا المختبر الرياضي، يصاغ مخيال كرة القدم المغربية المستقبلي، ومنه تدار وتطور تفاصيله بصفة مستدامة.
وفي هذا الأفق ذاته، تأتي بطولة كأس العالم 2030، التي يستضيفها المغرب شراكة مع إسبانيا والبرتغال، لتشكل الذروة الحالية لهذا المشروع الاستراتيجي طويل المدى. فالعرس العالمي بالنسبة للمملكة يتجاوز بكثير أبعاد الحدث الرياضي العابر، ليصبح سعيا حثيثا لترسيخ موقعها كجسر حيوي يربط إفريقيا بأوروبا، ويصهر التاريخ بالجغرافيا في بوتقة مستقبل مشرق، تصوغه لغة كرة القدم المشتركة.
بيد أن قصة كرة القدم المغربية تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية للمملكة، حيث يشكل أزيد من خمسة ملايين مغربي في الغربة عالما اجتماعيا عابرا للحدود، يمتد من القرى والأحياء داخل الوطن إلى حواضر بروكسل وأمستردام وبارييس ومونتريال ومدريد ونيويورك. وإذا كانت تحويلاتهم المالية ــ التي تناهز 13 مليار دولار سنويا ــ تشكل ركيزة للاقتصاد الوطني، فإن قيمتهم الرمزية تتجاوز لغة الأرقام والحسابات المادية، ذلك أن هذا الشتات لا يمثل مجرد جمهور متابع للكرة المغربية، وإنما هو أحد صناعها وبُناتها الأساسيين، فهو الرافد الحيوي الذي يمد اللعبة بالمواهب والشغف والأفكار في الوقت الذي يغذي فيه الأواصر الوجدانية التي تربط النخبة الوطنية بملايين المغاربة حول العالم. وبذلك، غدا أسود الأطلس التعبير الرمزي الأبهى عن مغرب يتسع ليتجاوز حدوده الجغرافية الضيقة.
وفي غمار البطولات الكبرى، يكتسي هذا الوجود البشري الممتد مظهرا مرئيا استثنائيا، فالمباراة التي تتابع في اللحظة عينها بين الدار البيضاء وبروكسل وأمستردام ومونتريال، تحيل المسافات الشاسعة إلى تقارب عاطفي جارف. وخلال مونديال 2022، تجاوز المشهد كل التوقعات؛ فمن داكار إلى لاغوس، ومن القاهرة إلى كيب تاون، تبنت الشعوب الإفريقية “أسود الأطلس” فريقا لها، متخذة من صعود المغرب بارقة أمل وتجسيدا لإمكانية تحقيق مجد قاري على أكبر مسرح كروي عالمي. وههنا، امتدت تلك الرابطة المجتمعية الفائقة Communitas التي فجرتها البطولة لتتخطى حدود الأمة وشتاتها، حابكة خيوط تضامن أوسع ربطت بين المغرب وقارته السمراء.
إنها صورة ابن يعانق والدته
لم تكن الصورة الخالدة لكأس العالم 2022 لقطة هدف، إنها صورة ابن يعانق والدته. فعقب كل انتصار مغربي، كان أشرف حكيمي يتسلق المدرجات صعودا للاحتفال مع والدته، وسرعان ما حذا زملاؤه حذوه، فصار اللاعبون، واحدا تلو الآخر، يندمجون وسط الحشود بحثا عن آبائهم وأمهاتهم، يعانقونهم في لقطات أمام عدسات التصوير التي تضاءل حضورها أمام جلال وعفوية تلك اللحظة، وطافت هذه الصور العالم بأسره، فرأى فيها البعض شواهد حية على البر والامتنان والفخر، في حين استقبلها المغاربة كمرآة لقيم مألوفة تنبض بالحميمية. فقد عكست عالما أخلاقيا تظل فيه الأسرة مصدرا للتوجيه والالتزام والبركة. عالم شكلته الهجرة والذاكرة والروابط المستدامة بالمكان، كما أنها تحدثت عن اعتراف متجذر بعمق بمفهوم “رضا الوالدين” ــ بركة الآباء وموافقهم ــ بوصفه مصدرا للتوازن العاطفي والطمأنينة الروحية.
وقد أدركت الجامعة نفسها أهمية هذه الروابط، فخلال البطولة، جرى تشجيع وتسهيل حضور أمهات وآباء اللاعبين، مما عكس استيعابا بأن القرب العائلي لم يكن تشتيتا عن الأداء الرياضي العالي، ولكنه أحد ركائزه الأساسية.. ففي رياضة تهيمن عليها البيانات والتحليلات والتكنولوجيا بشكل متزايد، استند نجاح المغرب أيضا إلى شيء أقل قابلية للقياس وهو الطمأنينة العاطفية المستمدة من بركة الوالدين ودعمهما.
ونتيجة لذلك، ولبرهة وجيزة، تلاشت المسافة بين المستطيل الأخضر والبيت، واضمحلت الفوارق بين الأمة والأسرة، فلم تعد الانتصارات حكرا على اللاعبين وحدهم، وإنما غدت ملكا للآباء والأحياء والقرى ولمسارات الكفاح الطويلة التي بدأت فصولها قبل انطلاق البطولة بزمن بعيد.
إن العديد من هؤلاء اللاعبين هم أبناء الجالية الذين ولدوا ونشأوا في أوروبا، بيد أنهم ظلوا مرتبطين بأسرهم ولغتهم وذكرياتهم وأرضهم الأم. لذلك، لم تكن عناقاتهم مجرد تعبير عن القرابة البيولوجية الضيقة ولكنها جسدت آفاق الجغرافيا العاطفية للمغترب المغربي، موضحة كيف تستطيع كرة القدم ربط مصائر عاشت بين قارات مختلفة بحبل الانتماء والأصل الواحد.
ويحضرنا هنا مفهوم “القرابة” الذي صاغه الأنثروبولوجي “ديل إيكلمان”، ذلك المفهوم الذي يتجاوز المعنى البيولوجي الوراثي ليمتد إلى شبكات الثقة والالتزام والانسجام الاجتماعي. ومن خلال هذا المنظور، لم يعد المغرب مجرد مجتمع سياسي رسمي، وإنما بدا مجتمعا أخلاقيا متماسكا يرتكز على علاقات وجدانية دائمة.
فمنذ أزيد من قرن، اصطلح “إيميل دوركايم” على تسمية هذه اللحظات بـ “الفوران الجماعي”، مشيرا إلى تلك الحالة التي يستسلم فيها الأفراد لتيار قوة اجتماعية كبرى، تدمجهم في كينونة تتجاوز حدود الأنا الضيقة، وإن نظرة على مدرجات مباراة حاسمة في المونديال تكفي لتفسير هذا المفهوم، حيث ينتفض الجمهور كبنيان واحد، وتخفق القلوب على إيقاع واحد، وتتوحد الهتافات صاهرة المشاعر الفردية في وجدان جمعي هادر.
ورغم أن “فيكتور تيرنر” التقط نبض هذه اللحظات لاحقا عبر مفهوم Communitas إلا أن الحالة المغربية تقدم أبعادا تخطت استشراف كلا العالمين، إذ إن تلك الكثافة الوجدانية التي تفجرها المستديرة لا تتبدد بانتهاء زمن المباراة، بل تستقر وتستوطن الأحاديث العائلية، وفضاءات الواتساب الرقمية التي تصل المغتربين بأرض الوطن والزيارات الصيفية وأروقة الأحياء والذاكرة الجماعية العابرة للعقود.
ومن رحم هذا السياق، أقترح مفهوم recurrent Communitas الرابطة المجتمعية الفائقة المتكررة، وهي صيغة من صيغ الانتماء الجمعي القادر على إحياء نفسه مرارا في الزمان والمكان بفضل التداخل بين كرة القدم، ودينامية الهجرة والقرابة العائلية والتدفقات الإعلامية المعاصرة.
وبخلاف المناسبات أو رحلات الحج الفردية الشبيهة بما استند إليه “تيرنر” في أطروحته، تصنع كرة القدم دورات منتظمة من الالتحام تتخطى عارض الحدث الكروي، فالمشاعر التي تبدو وقتية وعابرة، تصبح بفعل الممارسة والذكريات بنية مستدامة تشد أواصر البشر عبر القارات والقرون. وإذا كانت “القرابة” تصف حميمية الانتماء، فإن تمغربيت Tamghrabit تمنح اسما لهذا الفضاء الأرحب الذي تشد أواصره تلك العلاقات الحميمة.
ففي السنوات الأخيرة، غدا هذا المصطلح رمزا لنمط مغربي فريد في صياغة العيش المشترك، نمط يستوعب الاختلاف دون السقوط في نمطية التطابق ويثمن التعددية دون التضحية بالارتباط الجماعي.
إنه الأفق الذي يتيح للمكونات الأمازيغية والعربية واليهودية وغيرها، ولأبناء المغترب والمقيمين داخل الوطن، ولذوي العقائد والمسارات الحياتية المتباينة، أن يجدوا أنفسهم شركاء في سردية تاريخية واحدة. فالتعدد لا يقف غريبا خارج أسوار “تمغربيت”، وإنما هو المورد الأساسي الذي يغذي روحها ويضمن استمرارها، لا سيما وقد أصبحت كرة القدم أحد المسارح الرئيسية التي تؤدى فوقها فصول هذه الرواية، فهي لا تمحو الاختلاف، وإنما توفر إطارا يمكن من خلاله ربط هذا الاختلاف بحس انتمائي أكبر وأشمل.
ولكن، سرعان ما تنتهي كل بطولة، إذ تصدح صافرة النهاية، وتنطفئ شاشات التلفزيون، وتفرغ المقاهي، وتقلع الرحلات الجوية متجهة إلى بروكسل وأمستردام ومونتريال وباريس ونيويورك، ليعود الناس إلى أعمالهم، وتستأنف الخلافات السياسية، وتبقى الفوارق الاقتصادية على حالها.
ومع ذلك، ثمة شيء يظل عالقا في الأثير..
هناك في “توسان”، وبعد التعادل أمام البرازيل، استمرت الرسائل في التدفق بعد فترة طويلة من انتهاء المباراة؛ حيث حلل الأصدقاء التكتيكات، وتجادل الأقارب بشأن التبديلات، وتبادل المشجعون لقطات الأهداف البارزة والتوقعات للمباراة القادمة.
ومضى قطار الحديث قدما، لكن الشعور ظل ثابتا في النفوس، فطوال تسعين دقيقة، سكن ملايين البشر المشتتين عبر القارات العالم العاطفي ذاته، وكان هذا الاتحاد مؤقتا، لكنه كان حقيقيا. وربما لهذا السبب تحظى كرة القدم بكل هذه الأهمية.. ليس لأنها تلغي الفوارق، بل لأنها تكشف بشكل دوري عن روابط تحجبها تفاصيل الحياة اليومية روتينيا.
فما يبدأ كـمجرد لعبة، يتحول إلى فعل متكرر من الاعتراف المتبادل، يذكر من خلاله المغاربة ــ أينما عاشوا ــ ليس فقط بهويتهم، بل بالعلاقات والذكريات والالتزامات التي تصنع هذه الهوية. فطوال تسعين دقيقة، لا يبدو المغرب مجرد بقعة جغرافية على الخريطة، إنه شبكة حية من العلاقات، حيث يتشارك مقهى في “الرشيدية”، وشقة في “أمستردام”، وغرفة معيشة في “مونتريال”، وشرفة في “الدار البيضاء”، وبروفيسور في “توسان”… المحادثة ذاتها.
وربما هذا هو، في نهاية المطاف، ما تظهره لنا كرة القدم بجلاء: إن الأمر لا يتعلق بمجرد بلد أو أمة، إنه عالم مشترك من الروابط التي تجمع العائلات والمدن والأجيال والقارات… وهو العالم الذي لطالما اصطلح عليه المغاربة باسم “تمغربيت”.
*أنثروبولوجي وأستاذ جامعي بجامعة أريزونا
ترجمة : نيهاد القزوي

