القناة: أسامة الطنجاوي
على طول الطريق المؤدية لإقليم الحسيمة، تصطف حواجز قضائية لمصالح الدرك والملكي وأخرى للشرطة توحي لزائر الحسيمة أو “لؤلؤة الريف” كما يحلو تسميتها أن الوضع بالمدينة مرتبك وغير آمن … حضور أمني مكثف وتمظهرات “العسكرة” بادية للعيان بالرغم من إنخفاض مستوياتها بحسب تصريحات المواطنين “للقناة”.
تشير الساعة إلى الثامنة والنصف مساءا، حينما وصلنا إلى فندق مطل على ساحة محمد الخامس والتي تعد “ميدانا للتحرير” بحسب مزاعم بعض أبناء الحسيمة، تحرير من الظلم والحكرة التي طالت فئة من المغاربة لا لشيء سوى لأنهم “ريفيون”، بهذه الجملة استهل “كمال” تصريحه، قبل أن يتوقف برهة عن الكلام ليس خوفا بل إحتياطا منا نظرا للتواجد الأمني السري المكثف بالمدينة.
خرجنا إلى الساحة حيث توجد أزيد من 8 سيارات كبرى للأمن والقوات المساعدة على الجانب الأيمن، فيما تصطف 11 سيارة من الجيب وسيارات الدفع الرباعي في الجانب الأيسر .. غير بعيد من الساحة المطلة على شاطئ كيمادو الساحر، وبين كل مجموعة شباب تقل عن 4 أفراد تجد مواطنين رفقة عائلاتهم يتمتعون بلوعة النسيم وليل الحسيمة المغري.
استرقنا السمع لبعض الشباب الجالسين، ولم يكن محور حديث إلا عن المعتقلين الموقوفين داخل السجون من أبناء الإقليم، بنبرات قريبة من الكمد والحزن وإحساس بالظلم يتفوه أحدهم ـ هادشي لعب ديال الكبار، وحنا مشينا ضحية ـ بهاته الجملة كان مدخل الحديث مع هؤلاء الشباب الذين تتوزع أعمارهم بين العشرين والثلاثين.
لم نكمل الحديث حتا قاطعنا مفتش أو ضابط شرطة بزي مدني يطالبنا بأوراق إثبات الهوية، تعاملت معه بأدب القانون وطلبت منه التعريف بنفسه قبل المطالبة بالبطاقة الوطنية، لكن ردة فعله كانت أشبه بالصاعقة وتنذر ببداية مشؤومة لمكوثي بإقليم الحسيمة، رفض التعريف بنفسه ورفضت الإدلاء بالبطاقة الوطنية ..هكذا تعلمت في دولة شعارها الحق والقانون .. قبل أن يستعين بشرطي بزي عسكري يضع بطاقة المهنية وفقا للقواعد المعمول بها، حينها قرأت الإسم والرقم المهني وقدمت البطاقة، في الوقت الذي استجاب الشباب الريفيين للضابط السري خوفا من تلفيق تهمة لهم.. بعدما عرف اسمي ومن أين أتيت ومهنتي مدنا بالبطاقة وأمرنا بالإنصراف من المكان المطل على الشاطئ، رفضت الإمثتال لعدم وجود سند قانوني لأمره سوى أن عجرفته قد انتهكت..
تلك واحدة من المشاهد التي عشتها في الحسيمة، ولعل أكثر المشاهد التي أثرت بي ركوبي مع سائق سيارة أجرة في الرابعة والعشرين من عمره، معتقل على ذمة الأحداث الأخيرة وقضي عليه بالسجن الموقوف التنفيذ شهرين و1200 درهم غرامة، بتهمة التجمهر الغير المرخص .. يحكي ـ بلال ـ أن من عوائد عمله اليومي عملية التنقيط في دائرة الشرطة، وأنه طوال سنوات مضت وهو يشتغل كسائق سيارة أجرة ويعرفه شرطيو المنطقة أكثر مما يعرف نفسه، مؤكدا أن حبه للوطن والملك لا يقدر بثمن، لكنه اعتقل لوحده ذات ليلة إبان الحراك، وقضى على إثرها 3 أيام تحت الحراسة النظرية قبل أن يتابع في حالة سراح ويتم الحكم عليه بما سبق ذكره .. اعتقال “بلال” من طرف بوليس بزي مدني جاء لتنفيذ هاته المهمات جعله يشك في نفسه ووطنيته، لكن وقع في فخ “الحملة” التي لم تفرق بين الصالح والطالح ـ إن وجد طالحا ـ
مقربون من الزفزافي ومن قيادات الحراك، أكدوا أن التهم التي وجهت لهؤلاء مفبركة وغير صحيحة، مطالبين الدولة بالكشف عن تحقيقاتها ودلائلها وأنهم مستعدون للمحاكمة الشعبية لقادة الحراك إن تلقوا دعما أو ناصروا اطروحة إنفصالية، لكن أن تتم عملية التوقيف والاعتقال والزج في السجون وغيرها من السلوكات الأمنية التي تدفع سكان الحسيمة إلى تعميق الحراك وتجذره فهذا أمر مرفوض، وأن الحكم والقرار الأول والأخير في يد محب المنطقة الأول جلالة الملك محمد السادس، والذي يحظى بالإجماع الريفي بضرورة التدخل لإطلاق سراح المعتقلين وفتح نقاش جدي مسؤول والذي استشعرته الساكنة بالفعل مباشرة بعد انعقاد المجلس الوزاري.

