القناة
يقول الدكتور ماهر عبد القادر يشغل الغزل الصوفي مكاناً واسعاً من الإرث الشعري الذي خلّفه المتصوفة ، وإذا ما استعرضنا دواوين كبار شعرائهم كالحلّاج ،وابن عربي وابن الفارض والمقدسي وأمثالهم من العرب كسعد الدين الشيرازي ، وسنائي وفريد الدين العطار ، وجلال الدين الرومي،من غير العرب ، نجد أن الكثرة الكاثرة من أشعارهم تدور في فلك الحب ولوازمه ، من شرح الأشواق ، وشكوى البعد والهجر ، ولوعة الحنين ، إلى متعة النجوى وجلال المشاهدة ، ولذة القرب و الوصال ، فما من أمرٍ أقضّ مضاجع الصوفية فأرّق ليلهم وأقلق نهارهم مثل الحب وما من كلمة لهج بها هؤلاء وترنّموا بها في أناشيدهم و أشعارهم مثل الحب ، فالحب مذهبهم والحب مشربهم و لحب ديدنهم ، وهل كان المتصوفة من مبدأ أمرهم إلى نهاية مطافهم إلا عشاقاً ؟! وأخذ الحب لديهم مظهرين فمنهم من كانت لواعج شوقه تتجه إلى النبي الكريم فيعبر عنها بالمديح النبوي، ومنهم من كانت تسمو به الهمم وترقى إلى الخالق سبحانه، فيعبر عن ذلك بالغزل الصوفي أو بالخمريات الصوفية، ومن البداهة أن كلا النوعين يصبان -من حيث الغاية- في مصب واحد،فالله سبحانه هو الذي خاطب نبيه بقوله : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونِ يحببكم الله.
ويضيف الدكتور ماهر عبد القادر استخدم الصوفية- في التعبير عن عواطفهم و مواجدهم و حبهم الإلهي- أساليب مستمدة من شعر الغزل الإنساني المعروف لدى الشعراء التقليديين والعذريين منهم على وجه أخص على أنّ المقاصد الإلهية في غزلهم تبقى واضحة بيّنة و كل ما يستخدمونه من عبارات الغزل ، وما يوشّحون به أفكارهم ومعانيهم من أستار الرمز ، يبقى على قدرٍ من الشفافية بحيث يستطيع الناظر أن يرى ما تنطوي عليه من حبٍ روحانيِّ سامٍ ، وأشواق إلهية راقية تتعالى فوق المقاصد الحسية و الغايات البشرية.
و في أشعار الصوفية يعبر أصحاب الحال عن ترفعهم عن الحب البشري في أرقى صوره ، لأن لديهم ما يشغلهم عن كل ما يصبو إليه أرباب الحب التقليدي وأساطين الغزل العذري، ذاك أن المحبوب الأزلي هو الذي سكن قلبه واستولى على جوارحهم، فبه يسمعون و به يبصرون ، هو مقصودهم إذا صرّحوا بالحب ومنهم قال الشاعر :
فدعني مِن تَـغَـزِل قيس ليــلى…. و من أبيات شعر جميل بُثـْن
فبي شَغَفٌ عن الأشـــعار يلهي ….وبي طربٌ عن الأوتار يغـني
أغني باســــم حبي لا أُكنـّى ….وإن أك ُ قد كُنيت فذاك أعني
وما نفعي بدارٍ لستَ فيـــــها ….وأنت القصد يا أقصى التمني.

