القناة من الرباط
تفعيلا للرؤية الملكية الرامية إلى إحداث إصلاح عميق للمنظومة الصحية الوطنية، عملت الحكومة خلال هذه الولاية على الرفع غير المسبوق لميزانية قطاع الصحة، بما يعكس تحولا نوعيا في ترتيب الأولويات العمومية، ويجعل من الاستثمار الصحي رافعة مركزية لتحسين جودة الخدمات وضمان الحق في العلاج.
ميزانية غير مسبوقة
وحسب المعطيات الواردة في كتاب أصدرته رئاسة الحكومة مؤخرًا بعنوان “5 سنوات من العمل في خدمة الوطن”، فقد انتقلت الميزانية المرصودة لقطاع الصحة من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم سنة 2026، أي بزيادة تناهز 115% خلال الولاية الحكومية الحالية.
ويعكس هذا التطور حجم الالتزام الحكومي بتأهيل المنظومة الصحية، ومواكبة ورش تعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية، إلى جانب تعزيز الجاهزية لمواجهة الأزمات الصحية والتحديات المستقبلية.
وقد مكنت هذه الزيادة المهمة من تسريع وتيرة تأهيل المراكز الصحية، وبناء وتجهيز مستشفيات جديدة بمختلف جهات المملكة، بما ساهم في الرفع من الطاقة الاستيعابية، إضافة إلى دعم البرامج الهيكلية للقطاع، وتعزيز الموارد البشرية، حيث تم تخصيص أكثر من 6500 منصب مالي إضافي خلال سنة 2025 فقط لفائدة مهنيي الصحة.
وفي سياق مواصلة إصلاح المنظومة، عملت الحكومة على تسريع تنزيل ورش الحكامة الجديدة للقطاع الصحي، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على تقوية آليات التقنين وضبط عمل مختلف الفاعلين، إلى جانب تحسين حكامة المؤسسات الصحية وتعزيز التخطيط الترابي للعرض الصحي على المستويات الوطنية والجهوية والمحلية.
كما تم إرساء أسس إصلاح مؤسساتي جديد من خلال إحداث الهيئة العليا للصحة باعتبارها إطارًا مستقلًا يهدف إلى ضمان استمرارية الإصلاح وتطويره، وفق مبادئ الشفافية والاستدامة والمحاسبة.
وستتولى هذه الهيئة، فور دخولها حيز التنفيذ، مهام التأطير التقني للتأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وتقييم أداء وجودة الخدمات الصحية المقدمة من مختلف المتدخلين، سواء في القطاع العام أو الخاص.
تدبير لامركزي للصحة العمومية
وفي السياق ذاته، شرعت الحكومة في إرساء نموذج جديد لتدبير العرض الصحي من خلال إحداث المجموعات الصحية الترابية، التي تُعد ركيزة أساسية لإعادة تنظيم المنظومة على أسس جهوية.
ويقوم هذا النموذج على دمج مختلف الوحدات الاستشفائية داخل كل جهة ضمن مؤسسة عمومية واحدة، تتمتع بالاستقلالية، وتعمل وفق برنامج طبي جهوي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات الترابية لكل منطقة.
ويمثل تعميم هذا النموذج تحولا بنيويا مهما في تدبير القطاع الصحي، حيث يهدف إلى تحسين التنسيق بين مختلف مستويات الرعاية، ورفع جودة الخدمات، وتسهيل ولوج المواطنين إلى مسارات علاج متكاملة وفعالة.
كما يسهم في تعزيز نجاعة التخطيط الصحي عبر توجيه الاستثمارات بناءً على معطيات دقيقة مرتبطة بالكثافة السكانية، والخصائص الوبائية، والمعطيات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن شأن هذا التوجه أن يكرس عدالة مجالية أكبر في توزيع العرض الصحي، ويحد من الفوارق بين الجهات، ويضع حدًا لظاهرة “الصحاري الطبية”، عبر إعادة توجيه الموارد نحو الحاجيات الحقيقية للمواطنين.
وقد تم إطلاق تجربة نموذجية لهذا النظام بجهة طنجة تطوان الحسيمة، في أفق تعميمه تدريجيا على باقي جهات المملكة، بما يعزز الانتقال نحو منظومة صحية أكثر نجاعة وإنصافا واستدامة.
تعزيز السياسة الدوائية
وبالموازاة مع ذلك أولت الحكومة اهتماما خاصا لتعزيز السيادة الدوائية والأمن الصحي باعتبارهما ركيزتين لأي منظومة صحية قوية. وعليه، أحدثت الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية كإطار وطني مستقل يسهر على ضمان وفرة الأدوية وجودتها وسلامتها علاوة على تشجيع استعمال الأدوية الجنيسة والمثائل الحيوية بما يعزز الولوج العادل إلى الدواء ويكرس ثقة المواطن في المنظومة الصحية.
وفي إطار تعزيز الاستقلالية الإنتاجية وتقليص التبعية للخارج، وضعت الحكومة خارطة طريق طموحة لتحقيق السيادة الدوائية واللقاحية مكنت من إحداث 53 وحدة صناعية متخصصة تغطي أزيد من 70 من حاجيات السوق الوطنية، ورفع نسبة استعمال الأدوية الجنيسة إلى 40% من إجمالي الاستهلاك الوطني، مما يتيح علاجات فعالة وبأسعار مناسبة.

