القناة من الدار البيضاء
تفجر خلاف جديد داخل قطاع طب الأسنان بالمغرب، بعدما أثار توجيه إنذارات إلى عدد من الأطباء بسبب الأسعار التي يعتمدونها في تقديم خدماتهم العلاجية موجة من الاستياء في أوساط مهنية، وسط تساؤلات بشأن حدود سلطة الهيئات المهنية في مراقبة التعريفة التي يحددها الأطباء لخدماتهم.
وكشفت مصادر مهنية أن عددا من أطباء الأسنان تفاجؤوا بقرارات توجيه إنذارات إليهم، جرى تداولها داخل مجموعات خاصة بالمهنيين على تطبيق “واتساب”، بسبب اعتمادهم أسعارا تقل عن تلك المتداولة لدى عدد من زملائهم، خصوصا في ما يتعلق بخدمات تقويم الأسنان وتصحيح اعوجاجاتها.
وأوضحت المصادر أن الأطباء المعنيين، الذين أطلق عليهم داخل الأوساط المهنية وصف “أطباء الفقراء”، اختاروا تقديم علاجات بأثمنة تراعي الإمكانات المادية للمرضى، ولاسيما المنتمين إلى الفئات محدودة الدخل، غير أن هذه الخطوة وضعتهم في مواجهة إجراءات تأديبية أثارت جدلا حول المعايير المعتمدة في تقييم ممارساتهم المهنية.
ويتركز جانب أساسي من هذا الجدل حول غياب تعريفة مرجعية واضحة وموحدة لمختلف خدمات طب الأسنان، وهو ما يجعل تحديد مدى ملاءمة الأسعار المعتمدة مسألة تثير اختلافا في وجهات النظر بين المهنيين، خصوصا في ظل التفاوت الكبير المسجل بين أسعار الخدمات العلاجية نفسها من عيادة إلى أخرى.
وبينما يرى بعض الأطباء أن تخفيض الأسعار واعتماد هوامش ربح محدودة يشكلان خيارا مهنيا يراعي القدرة الشرائية للمواطنين، تشير تقديرات متداولة في الأوساط المهنية إلى وجود هوامش ربح قد تتجاوز 200 في المائة لدى بعض الممارسات، الأمر الذي يفتح النقاش حول تكلفة الخدمات الطبية والأسس التي تحدد أسعارها.
ولا تقف تحفظات المهنيين عند حدود التسعير، بل تمتد أيضا إلى القيود المفروضة على الإشهار والتواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يجد أطباء الأسنان المغاربة صعوبة في التعريف بخدماتهم والترويج لعروضهم، في ظل الضوابط المرتبطة بأخلاقيات المهنة.
وفي المقابل، تستفيد مراكز وعيادات متخصصة في تركيا من هامش واسع للتحرك الإعلاني عبر المنصات الرقمية، من خلال حملات تستهدف المغاربة وتقدم عروضا في مجال تجميل الأسنان وتقويمها وتركيب القشور الخزفية، وهو ما ساهم في تشجيع عدد من المواطنين على التوجه إلى هذا البلد للاستفادة من خدمات طب الأسنان والتجميل.
ويرى مهنيون أن هذا الوضع يطرح مفارقة تستحق النقاش، إذ يجد الطبيب المغربي نفسه أمام قيود تحد من قدرته على التواصل التجاري والتعريف بخدماته، بينما تنجح مؤسسات أجنبية في استقطاب المرضى المغاربة عبر حملات ترويجية واسعة، بما يؤدي إلى توجيه جزء من النفقات المرتبطة بالعلاجات التجميلية نحو الخارج.
وتثير هذه التطورات أسئلة تتجاوز الخلاف حول أسعار بعض العلاجات، لتشمل مستقبل تنافسية قطاع طب الأسنان بالمغرب، ومدى ملاءمة القواعد المنظمة للمهنة للتحولات التي يعرفها سوق الخدمات الصحية والتجميلية.
وفي ظل هذا الجدل، تتجدد المطالب بضرورة إرساء قواعد أكثر وضوحا وشفافية بشأن تسعير الخدمات العلاجية والتواصل الإعلاني، بما يحفظ استقلالية الطبيب ويحترم أخلاقيات المهنة، دون التضييق على المبادرات التي تسعى إلى توفير العلاج بأسعار تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، أو ترك المجال مفتوحا أمام المنافسة الخارجية لاستقطاب زبائن كان بالإمكان أن يستفيدوا من الخدمات نفسها داخل المغرب.

