القناة – وكالات*
مع تشديد المراقبة على السواحل الشمالية بالمغرب، وعودة التنسيق الأمني في مجال مكافحة الهجرة بين مدريد والرباط، تحولت المناطق الجنوبية في المغرب إلى نقطة انطلاق جديدة لقوارب المهاجرين الراغبين في الوصول إلى “الفردوس الأوروبي”.
وفي مقابل انخفاض معدلات المهاجرين غير النظاميين بالسواحل الشمالية وبالمناطق المحاذية لمدينتي سبتة ومليلية الحدوديتين المحتلتين، يسجل خلال الآونة الأخيرة، ارتفاع في عدد محاولات الهجرة نحو جزر الكناري القريبة من السواحل الجنوبية بالمغرب.
ورغم تراجع أعداد المهاجرين غير النظاميين الواصلين إلى إسبانيا خلال العام الماضي بنسبة 23 بالمئة، إلا أن نسبة المهاجرين القادمين من التراب المغربي تضاعفت بنسبة 85 بالمئة.
وتعزى أسباب هذا الارتفاع بحسب إحصائيات لجنة الهجرة والحدود الإسبانية، إلى ارتفاع أرقام الواصلين إلى جزر الكناري من المغرب وبلدان شمال غرب أفريقيا، والتي وصلت إلى أكثر من 15 ألفا و466 مهاجرا، من أصل 30 ألف مهاجر.
وتغيرت خلال السنوات الأخيرة، نقاط انطلاق قوارب المهاجرين، حيث باتت تنطلق من السواحل الجنوبية تجاه جزر الخالدات (الكناري) التي تبعد بنحو 60 كيلومترا عن السواحل المغربية، كما تغيرت طرق الهجرة، وحلت القوارب المطاطية السريعة محل المراكب الخشبية.
“مسلك قاتل”
وغالبا ما تتسبب محاولات الهجرة غير النظامية من سواحل المغرب الجنوبية نحو الكناري الإسبانية في المحيط الأطلسي، في حوادث مميتة، إذ يلقى واحد من أصل 24 مهاجرا حتفه على هذه الطريق، وفق أرقام منظمة الهجرة الدولية.
ويوم الجمعة الماضي، استيقظت منطقة مير اللفت الساحلية بالجنوب المغربي على أنباء انتشال جثث 13 شخصا، ماتوا غرقا بعد انقلاب قارب للهجرة غير النظامية.
وتمكّنت السلطات من إنقاذ 24 مهاجرا آخرين بينهم قاصر، في المركب الذي كان متجها إلى جزر لاس بالماس الإسبانية في أرخبيل جزر الكناري.
وضم القارب 45 مهاجرا، دفعوا مبالغ تراوح بين 20 ألف و25 ألف درهم (بين 2000 و2500 دولار)، وفق موقع “هسبريس” الإخباري.
وبحسب تقرير لمنظمة “كاميناندو فرونتيراس” الإسبانية غير الحكومية، قضى أو فقد ما لا يقل عن 11200 مهاجر منذ العام 2018 خلال محاولتهم العبور إلى إسبانيا، أي بمعدل ستة أشخاص يوميًا.
وأشارت المنظمة إلى أن، وحده الطريق بين الساحل الشمالي الغربي لأفريقيا وجزر الكناري شهد مصرع 7692 مهاجرا، مؤكدة أن هذا المسار خطير جدا، لكن يتم سلوكه بسبب تشديد الرقابة في المتوسط، حسب فرانس برس.
“خلفيات تغيير المسار”
ويرجع عدد من المهتمين بملف الهجرة بالمغرب وإسبانيا، ارتفاع أعداد المهاجرين في المناطق الجنوبية إلى تشديد المراقبة على السواحل الشمالية بعد أحداث معبر مليلية، التي عرفت وفاة عشرات الأشخاص، بالإضافة إلى تحسن مستوى التنسيق بين الجانبين المغربي والإسباني بعد تجاوزهما الأزمة الدبلوماسية غير المسبوقة العام الماضي.
الخبير في قضايا الهجرة وحقوق الإنسان محمد بنعيسى، يؤكد أن السواحل الشمالية، تعرف إجراءات أمنية ومراقبة مشددة فيما يتعلق بمراقبة الحدود لمنع المهاجرين من ركوب قوارب الموت.
ويورد بنعيسى في تصريح لموقع “الحرة”، أن السلطات شددت المراقبة في الشواطئ الشمالية وبالمناطق الحدودية مع مدينتي سبتة ومليلية، بعد تحسن العلاقات المغربية الإسبانية ونهاية الأزمة التي عرفتها العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
ويربط الخبير في قضايا الهجرة، تحول مسار الهجرة نحو المناطق الجنوبية، بتفكيك عدد من الشبكات التي كانت متخصصة في تنظيم عمليات الهجرة بالشمال، والتي انتقلت إلى الجنوب، الذي يصعب فيه مراقبة نشاطها نظرا لطول هذه السواحل التي تحتاج إلى إمكانيات مالية لوجيستية وبشرية كبيرة، وهو ما تستغله شبكات المهاجرين للتسلل بعيدا عن أعين المراقبة.
سبب آخر، يربطه المتحدث بقرب السواحل الجنوبية للمهاجرين القادمين من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، الذين يظهر لهم خيار الهجرة من المدن الجنوبية أسهل.
كما يرجع بنعيسى تراجع دينامية الهجرة في الشمال، إلى حلول فصل الشتاء والذي تتراجع فيه محاولات الهجرة مقارنة بفصل الصيف، وذلك بسبب سوء الأحوال الجوية وخطورة أمواج البحر المتوسط خلال هذه الفترة من السنة.
ويشدد بنعيسى على المخاطر المرتبطة بالهجرة من المناطق الجنوبية، والتي تتعلق أساسا بطول المسافة الفاصلة بينها وبين جزر الكناري، مما سيؤدي، بحسب المتحدث إلى “حوادث مؤسفة”.
“توزيع خريطة الهجرة”
الحقوقي المغربي المهتم بقضايا اللاجئين والهجرة، عمر الناجي، يؤكد من جانبه، تسجيل “هذا التحول الكبير” منذ سنتين تقريبا، مشيرا إلى أن “خريطة الهجرة في المغرب تتسم اليوم بالدقة، وتوزيع مجالي مخطط له بعناية”.
ويوضح الناجي في تصريح لموقع “الحرة”، أن الشواطئ الشمالية “مخصصة اليوم فقط لهجرة الشباب المغاربة، والتي عرفت تصاعدا مهما منذحراك الريف دون أن تقوم السلطات بأي مجهود فعال لإيقافها بالرغم من أن الكل يعرف المراقبة العسكرية الكبيرة التي تخضع لها كل شواطئ الشمال”
بالمقابل، يكشف المتحدث ذاته أن هجرة المهاجرين الأفارقة القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، “تحولت إلى الجنوب”، مبرزا أنها “هجرة مؤدى عنها تديرها شبكات متخصصة دون أن تقوم السلطات بأي مجهودات فعالة للقضاء على كبار المافيات والتي تسبب كل يوم مأساة من ضحايا الهجرة”.
“تفكيك شبكات الهجرة”
وخلال عام 2022، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب، عن إيقاف أكثر من 32 ألف مهاجر غير نظامي خلال العام 2022، 85 بالمائة منهم من جنسيات أجنبية، وذلك ضمن جهودها في مواجهة الهجرة غير النظامية.
وكشفت المديرية العامة للأمن الوطني في حصيلة تدخلاتها السنة الماضية، أن “جهود مصالح الأمن الوطني لمكافحة شبكات تنظيم الهجرة غير الشرعية تكللت بتوقيف 32 ألفا و733 مرشحا للهجرة من بينهم 28 ألفا و146 من جنسيات أجنبية مختلفة بما يعادل 85 بالمائة من إجمالي الموقوفين”.
وأبرز المصدر ذاته، أنه “تم تفكيك 92 شبكة إجرامية وتوقيف 566 منظما ووسيطا للهجرة، بنسبة زيادة فاقت 36 بالمائة مقارنة مع سنة 2021، التي عرفت توقيف 415 منظما للهجرة”.
ولفتت المديرية، إلى حجز 193 قاربا و156 محركا بحريا و61 ناقلة، استخدمت في تنظيم عمليات الهجرة.

