القناة من الدار البيضاء
تتسع دائرة القلق داخل قطاع صناعة الكابلاج بالمغرب، وسط تساؤلات حارقة حول مسؤولية وزارة الصناعة والتجارة بقيادة رياض مزور، ووزارة التشغيل بقيادة يونس السكوري، بعدما تحولت صعوبات استقطاب اليد العاملة والاحتفاظ بها إلى معضلة حقيقية تهدد استقرار الإنتاج بعدد من الوحدات الصناعية، خاصة بالمنطقة الصناعية بطنجة التي تضم أبرز الفاعلين في صناعة مكونات السيارات الموجهة للتصدير. وتأتي هذه الأزمة المتفاقمة لتكشف عن غياب تفعيل آليات الرقابة وشروط العمل اللائق.
وتفيد معطيات متقاطعة من مصادر مهنية وبرلمانية ومدنية بأن العديد من شركات الكابلاج تعيش خلال الأشهر الأخيرة على وقع ارتفاع غير مسبوق في معدلات الاستقالة والتغيب عن العمل، في مؤشر يطرح أسئلة محرجة حول واقع الشغل داخل قطاع ظل لسنوات يقدم كنموذج لنجاح السياسة الصناعية المغربية.
وزيرا الصناعة والتشغيل في مرمى الانتقادات
وتتجه أصابع الانتقاد بشكل مباشر نحو كل من وزير الصناعة والتجارة رياض مزور ووزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات يونس السكوري، باعتبار أن الملف يقع عند تقاطع اختصاص وزارتيهما، بين جلب الاستثمارات الصناعية وضمان احترام شروط العمل اللائق داخل الوحدات الإنتاجية.
فمن جهة، تواصل وزارة الصناعة والتجارة الترويج للأرقام المرتبطة بالصادرات والاستثمارات ومناصب الشغل المحدثة في قطاع السيارات، غير أن الأزمة الحالية تكشف أن جزءا مهما من هذه المناصب يعاني من هشاشة متزايدة على مستوى الأجور وظروف العمل. وتفيد شهادات مهنية بأن الأجور المعتمدة في عدد من مصانع الكابلاج لم تعد تواكب الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة والنقل والسكن، ما أفقد هذه الوظائف جاذبيتها لدى فئة واسعة من الشباب.
وفي المقابل، تواجه وزارة التشغيل تساؤلات متزايدة حول فعالية آليات المراقبة والتفتيش ومدى قدرتها على فرض احترام شروط العمل داخل قطاع يعتمد بشكل كبير على العمل بنظام الورديات، والوقوف لساعات طويلة، وضغط الإنتاج المرتبط بالطلبيات الخارجية.
مساءلة برلمانية حول ضعف الأجور وظروف العمل
ولم يعد الحديث عن هذه الاختلالات مقتصرا على النقابات أو العاملين داخل المصانع، بل انتقل إلى المؤسسة التشريعية نفسها. فقد وجهت النائبة البرلمانية عن فريق التجمع الوطني للأحرار زينب السيمو، سؤالا كتابيا إلى وزير التشغيل حول الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها لتحسين أجور عمال وعاملات شركات صناعة الكابلاج، معتبرة أن ضعف الأجور أصبح أحد أبرز التحديات التي تواجه العاملين في هذا القطاع الحيوي.
كما أثار الفريق الاشتراكي، المعارضة الاتحادية بمجلس النواب الملف من زاوية أوسع، محذرا من الظروف المهنية والاجتماعية الصعبة التي يعيشها العاملون في صناعة مكونات السيارات، خاصة وحدات إنتاج الكابلات الكهربائية.
وأشارت النائبة سلوى الدمناتي إلى أن الأجور تظل في العديد من الحالات قريبة من الحد الأدنى للأجر، في وقت تتزايد فيه الضغوط المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة.
ضغط الإنتاج وساعات العمل الطويلة ينفران الشباب
وتعزز المعطيات الميدانية هذه المخاوف. فقد أكدت صفاء أقجوج، المسؤولة بمركز التربية والتكوين للمرأة بمغوغة، أن الطلب على اليد العاملة مازال مرتفعا من قبل شركات الكابلاج والنسيج والخياطة، غير أن الاستجابة تبقى ضعيفة مقارنة بحاجيات المشغلين. وأرجعت ذلك أساسا إلى ضعف جاذبية الأجور وطبيعة العمل التي تتسم بالإيقاع السريع وساعات العمل الطويلة والضغط المستمر المرتبط بالإنتاج.
وتتقاطع هذه المعطيات مع ما ذهب إليه النقابي إدريس عدة، الذي اعتبر أن صعوبات الاستقطاب التي تواجهها شركات الكابلاج ليست ظرفية، بل تعكس اختلالات بنيوية تراكمت داخل القطاع على مدى سنوات.
وقال إن عددا متزايدا من الشباب أصبح يعزف عن العمل بهذه الوحدات الصناعية رغم ارتفاع معدلات البطالة، بسبب ما وصفه بضعف الأجور وتدهور ظروف العمل، مؤكدا أن الأجور المعمول بها في عدد من المصانع لم تعد تواكب تكاليف المعيشة ولا تعكس حجم الجهد المطلوب من العاملات والعمال.
وأضاف عدة أن استمرار اللجوء إلى أنماط التشغيل الهش والعمل بنظام الورديات والساعات الطويلة، إلى جانب ضعف الحوار الاجتماعي، ساهم في تعميق نفور الشباب من القطاع.
واعتبر أن ما يجري اليوم يمثل مؤشرا على أزمة أعمق تتعلق بجاذبية مناصب الشغل نفسها، قائلا إن الشباب “لا يرفض العمل في حد ذاته، وإنما يرفض ظروفا مهنية لا توفر الاستقرار ولا تضمن دخلا كافيا يحفظ الكرامة”.
الأخطر من ذلك أن بعض الوحدات الصناعية أصبحت، بحسب مصادر مطلعة، عاجزة عن سد المناصب الشاغرة رغم تنظيم حملات توظيف متواصلة، ما اضطرها إلى إعادة توزيع العمال على خطوط الإنتاج لتفادي التأثير على الطلبيات الموجهة إلى الأسواق الخارجية.
البحث عن توازن مفقود بين الاستثمار والكرامة
هذه المؤشرات تضع وزير الصناعة رياض مزور أمام انتقادات متزايدة بشأن النموذج الصناعي الذي يتم الترويج له باعتباره قصة نجاح اقتصادية، بينما يواجه صعوبات حقيقية في ضمان استدامة الموارد البشرية التي يقوم عليها.
كما تضع وزير التشغيل يونس السكوري أمام اختبار فعلي يتعلق بمدى قدرة وزارته على حماية القدرة الشرائية للعاملين وضمان شروط العمل اللائق داخل قطاع يعد من أكبر مشغلي اليد العاملة بالمملكة.
فإذا كانت الاستثمارات الأجنبية والصادرات القياسية تمثل أحد وجوه نجاح قطاع السيارات المغربي، فإن نزيف الاستقالات والعزوف المتزايد عن العمل في مصانع الكابلاج يكشف وجها آخر أقل بريقا، عنوانه اتساع الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية المعلنة والواقع الاجتماعي الذي يعيشه آلاف العاملات والعمال يوميا داخل الوحدات الإنتاجية.
واليوم، لم يعد السؤال المطروح هو عدد مناصب الشغل التي يخلقها القطاع، بل نوعية هذه المناصب وقدرتها على توفير دخل كريم وظروف عمل تحفظ كرامة العاملين وتضمن استقرارهم المهني. وهو سؤال بات موجها بالدرجة الأولى إلى وزارتي الصناعة والتشغيل اللتين تتحملان معا مسؤولية البحث عن توازن مفقود بين جاذبية الاستثمار وحقوق الشغيلة.

