القناة من الدار البيضاء
تم، الثلاثاء بهلسنكي، تقديم العرض الأول أوروبيا للشريط الوثائقي “النداء” (The Call)، لمخرجه أحمد بوشلكة، وذلك بمناسبة الذكرى الـ 51 للمسيرة الخضراء المظفرة والذكرى الأولى لعيد الوحدة.
وجمعت هذه الأمسية، التي نظمتها سفارة المملكة بفنلندا، بين السينما والذاكرة التاريخية والحوار بين الثقافات، بحضور أعضاء من السلك الدبلوماسي المعتمد بفنلندا وشخصيات مدعوة من الأوساط الثقافية والجمعوية.
وجرى العرض، الذي يقدم نظرة أمريكية إلى محطة بارزة من تاريخ المغرب، بحضور المخرج أحمد بوشلكة، والراوي الأمريكي تيرينس ليونارد أولسون، المعروف بـ”تيري أولسون”، الذي تشكل رحلته الخيط الناظم للشريط الوثائقي، إلى جانب كاتب السيناريو، محمد أحمد كين، حيث مكنت مشاركتهم الجمهور من اكتشاف المقاصد والاختيارات الفنية التي وجهت إنجاز الشريط.
ومن خلال مسار تيري أولسون في المغرب، يعيد فيلم “النداء” استحضار ذاكرة المسيرة الخضراء من منظور إنساني. ومن خلال الأماكن التي زارها واللقاءات مع الشهود والساكنة المحلية، ينسج الشريط الوثائقي حوارا بين ذكريات حدث مفصلي وواقع المغرب المعاصر.
وتضفي هذه الروايات الفردية، التي عرضت على الشاشة في هلسنكي، بعدا إنسانيا على تاريخ جماعي، وتجعل إرثه في متناول جمهور جديد.
وتشكل الرؤية الأمريكية أحد المرتكزات السردية للشريط، حيث يرافق تيري أولسون، بصفته راويا ومحاورا في الآن ذاته، المشاهد في رحلة استكشاف تاريخ المغرب وأبعاده الإنسانية والثقافية والوطنية. ويتيح مساره تقديم نظرة خارجية متأنية على هذه الذاكرة، كما يستحضر الروابط التاريخية والإنسانية التي تجمع المغرب بالولايات المتحدة الأمريكية.
ومن خلال لغة السينما الوثائقية، يستكشف الفيلم أوجه الترابط بين الذاكرة والهوية والتعلق بالوطن. وتسهم الشهادات التي تم استقاؤها في إلقاء الضوء على مكانة المسيرة الخضراء في الوجدان الجماعي المغربي، فيما تربط الرحلة هذا الإرث بتحولات المملكة وتطلعات سكانها.
ويكتسي اختيار هلسنكي لاحتضان هذا العرض الأوروبي الأول دلالة خاصة، بالنظر إلى مكانتها الرمزية كفضاء للحوار والسعي إلى السلام، فضلا عن ارتباطها بوثيقة هلسنكي الختامية، الموقعة في فاتح غشت 1975، أي قبل أشهر قليلة من تنظيم المسيرة الخضراء.
وتؤكد هذه الوثيقة، على الخصوص، مبدأ عدم اللجوء إلى القوة والتسوية السلمية للنزاعات. ويضفي التقارب الزمني بين هذين الحدثين، اللذين جريا في سياقين تاريخيين مختلفين، بعدا رمزيا على الطابع السلمي للتعبئة المغربية.
وفي كلمة ترحيبية بالمناسبة، أكد سفير المغرب بفنلندا، محمد أشكالو، على الأهمية التاريخية والإنسانية لهذه المبادرة الثقافية، التي تندرج في إطار الاحتفاء المزدوج بذكرى المسيرة الخضراء وعيد الوحدة.
ويشكل استحضار عيد الوحدة في ختام الشريط الوثائقي مدخلا للتأمل في امتداد هذا التاريخ، ويدعو جمهور هلسنكي إلى مواصلة اكتشاف المغرب وتشبثه بالسلام وبوحدته الوطنية.
ويسهم تقديم الشريط الوثائقي أمام الجمهور الأوروبي في التعريف بهذه الذاكرة خارج حدود المملكة، وتعزيز نقلها إلى الأجيال الصاعدة.
وأتاحت النقاشات مع المخرج والراوي وكاتب السيناريو العودة إلى ظروف نشأة الفيلم الوثائقي، وكيفية بناء سرديته، واللقاء بين منظور أمريكي وذاكرة مغربية. كما شكلت هذه النقاشات امتدادا لتجربة مشاهدة الفيلم، من خلال تسليط الضوء على العمل الإبداعي الذي تشكل من خلاله الشهادات والمسار الشخصي سردا سينمائيا.
واختتمت الأمسية بحفل استقبال تخللته طقوس تقديم الشاي بالأقاليم الجنوبية للمملكة. ومن شاشة العرض إلى التذوق، واصل الحضور الرحلة التي يقترحها الفيلم، في لحظة من التقاسم والود.

