القناة من الدار البيضاء
كشف وليد الركراكي، الناخب الوطني المغربي السابق، أن أبرز ما تحقق خلال فترة قيادته للمنتخب المغربي لم يكن فقط بلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022، وإنما تغيير نظرة المغاربة إلى قدرة منتخبهم على المنافسة في أعلى مستوى، مؤكداً أن “الحلم بالفوز بكأس العالم” أصبح اليوم حاضرا في عقلية اللاعبين والجماهير.
وقال الركراكي، في حوار مع منصة “Coaches Voice”، إن تجربته مع المنتخب الوطني كانت محطة استثنائية في مسيرته، مشيراً إلى أن وصول المغرب إلى المربع الذهبي لم يكن نتيجة صدفة، بل ثمرة عمل طويل وتراكم خبرات، معتبرا أن المنتخب يحتاج إلى مواصلة خوض المنافسات الكبرى لاكتساب “الجينات التنافسية” التي تميز المنتخبات العالمية.
وأوضح الركراكي أن علاقته بالتدريب بدأت منذ سنوات طويلة، حتى قبل اعتزاله كرة القدم، بعدما كان شغوفاً بطريقة تفكير المدربين وأساليبهم التكتيكية. وبعد نهاية مسيرته كلاعب، انتقل إلى فرنسا للحصول على شواهد التدريب من الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، في خطوة قال إنها كانت بداية مشروع مهني اختاره منذ فترة مبكرة.
واعتبر المدرب المغربي أن تجربته كلاعب في فرنسا وإسبانيا ساعدته كثيرا في بناء فلسفته التدريبية، بعدما تأثر بمدرستين مختلفتين؛ الأولى الفرنسية التي ركزت على التنظيم الدفاعي والجانب البدني، والثانية الإسبانية التي منحته فهما أكبر لكرة القدم القائمة على الاستحواذ والتمركز.
وأشار الركراكي إلى أن رودي غارسيا ورولاند كوربيس كان لهما تأثير كبير في مسيرته التدريبية، سواء من خلال علاقته بهما أو عبر ما تعلمه منهما في الجوانب التكتيكية وإدارة المجموعات والتعامل مع اللاعبين.
بداية من المنتخب ثم بناء التجربة مع الفتح
وتحدث الركراكي عن بدايته كمدرب مساعد ضمن الطاقم التقني للمنتخب المغربي، معتبرا أن استدعاءه للمساهمة في تصفيات كأس أمم أفريقيا 2013 كان مفاجأة كبيرة بالنسبة له، لكنه شكل فرصة مهمة لاكتشاف أجواء المنتخب والعمل داخل مجموعة تختلف بشكل كبير عن الأندية.
وأضاف أن هذه التجربة ساعدته على التطور، قبل أن يحصل على أول فرصة كمدرب رئيسي سنة 2014 مع الفتح الرياضي، النادي الذي وصفه بـ”المختبر التدريبي”، بعدما أتاح له فرصة تجربة العديد من الخطط التكتيكية وإعادة بناء الفريق بشكل مستمر بسبب رحيل عدد من اللاعبين.
وأكد الركراكي أن تتويجه مع الفتح الرياضي بلقب البطولة المغربية كان لحظة تاريخية، لأن النادي لم يكن قد توج بالدوري خلال ثمانية عقود من وجوده، معتبرا أن دخول تاريخ فريق من هذا الحجم يمثل حلماً لأي مدرب.
الوداد.. مدرسة الضغط والانتصارات
بعد تجربة قصيرة مع الدحيل القطري، عاد الركراكي إلى المغرب سنة 2021 لتدريب الوداد الرياضي، حيث عاش مرحلة مختلفة تماما، حسب تعبيره، بسبب حجم الضغط الجماهيري وانتظارات ناد اعتاد المنافسة على الألقاب.
وقال إن الفارق بين الفتح والوداد كان أن الأول يمنح المدرب وقتا للبناء، بينما يفرض الثاني ضرورة تحقيق الانتصارات بشكل فوري، موضحاً أن هذه التجربة علمته “كيف يفوز بسرعة” والتكيف مع ثقافة ناد لا يقبل إلا بالمنافسة.
وأضاف أن موسم الوداد تحت قيادته كان استثنائيا، بعدما تمكن الفريق من التتويج بلقب البطولة الوطنية للمرة الثانية تواليا، والفوز بدوري أبطال أفريقيا للمرة الثالثة في تاريخ النادي، إضافة إلى بلوغ نهائي كأس العرش، معتبرا أن ذلك الموسم كان من أفضل المواسم في تاريخ الفريق.
قيادة المنتخب.. قرار المسؤولية الكبرى
وأوضح الركراكي أن اتصال الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بعد نهاية تجربته مع الوداد كان مختلفا هذه المرة، لأنه تعلق بقيادة المنتخب الوطني قبل كأس العالم 2022 خلفا لوحيد خليلوزيتش.
وأكد أنه لم يكن يتصور في البداية تدريب المنتخب، لأنه كان يفضل العمل اليومي مع الأندية، لكنه وافق لأن الأمر يتعلق ببلده، مشدداً على أنه لم يكن ليقبل المهمة من أجل المشاركة فقط في كأس العالم.
وقال الركراكي: “إذا وقعت كمدرب للمنتخب، فلن يكون ذلك لمجرد خوض كأس العالم. المغرب لا يمكنه الاكتفاء بالمشاركة أو التأهل فقط”.
وأضاف أنه بعد معاينة مستوى اللاعبين والتشكيلة المتوفرة، اقتنع بقدرة المنتخب على تحقيق إنجاز تاريخي، رغم أنه لم يكن يتوقع الوصول إلى نصف النهائي، لكنه كان يؤمن بإمكانية تجاوز دور المجموعات.
مونديال قطر.. من الحلم إلى كتابة التاريخ
وأشار الركراكي إلى أن أصعب تحد قبل كأس العالم كان ضيق الوقت، إذ لم يكن أمامه سوى أسابيع قليلة للتعرف على اللاعبين، بناء أسلوب اللعب، واستعادة بعض العناصر مثل حكيم زياش ونصير مزراوي.
واعتبر أن أول مباراة أمام كرواتيا كانت لحظة خاصة جدا، لأنها أعادت إليه ذكريات الطفولة والحلم بالمشاركة في كأس العالم، لكنه شدد على ضرورة التحول سريعا إلى عقلية المنافسة وتحقيق النتائج.
وأوضح أن الفوز على بلجيكا منح المنتخب ثقة كبيرة، قبل تجاوز دور المجموعات وتحقيق إنجاز لم يبلغه المغرب منذ مونديال 1986.
وبعد إقصاء إسبانيا، قال الركراكي إنه خاطب لاعبيه بالتأكيد على أن الهدف لم يعد فقط دخول تاريخ المغرب، بل كتابة صفحة جديدة في تاريخ كرة القدم الأفريقية، وهو ما تحقق بعد تجاوز البرتغال والوصول إلى نصف النهائي.
وأضاف أن صافرة نهاية مباراة البرتغال كانت لحظة لا تنسى، إذ شعر حينها بأن المنتخب دخل التاريخ، لكنه في الوقت نفسه كان يؤمن بأن الفريق قادر على الذهاب أبعد من ذلك والمنافسة على اللقب العالمي.
ما الذي كان ينقص المغرب للفوز بكأس العالم؟
بعد الخروج أمام فرنسا في نصف النهائي، أكد الركراكي أنه عقد جلسة مع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لتحليل أسباب عدم القدرة على تجاوز هذه العقبة.
وأوضح أن المغرب كان يحتاج إلى اكتساب المزيد من الخبرة في المنافسات العالمية، قائلاً إن كأس العالم لا تُكتسب بين ليلة وضحاها، وإنما عبر التواجد المستمر في الأدوار المتقدمة.
كما أشار إلى أهمية توسيع قاعدة الاختيارات البشرية، مؤكداً أن المنتخب في نسخة 2022 كان يفتقد إلى قائمة أوسع قادرة على تعويض الغيابات والإصابات خلال بطولة طويلة وشاقة.
مشروع بناء جيل جديد
وكشف الركراكي أنه عمل على استقطاب عدد من المواهب ذات الأصول المغربية لاختيار تمثيل المنتخب الوطني، من بينهم إبراهيم دياز، إلياس بن صغير، إلياس أخوماش، نيل العيناوي، أيوب بوعدي، شمس الدين طالبي وآدم أزنو.
كما تحدث عن إشرافه على المنتخب الأولمبي، معتبرا أن هذه الخطوة ساعدته على متابعة تطور اللاعبين الشباب من الداخل، وهو ما تُوج بفوز المنتخب المغربي لأقل من 23 سنة بكأس إفريقيا والوصول إلى الميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024.
وختم الركراكي حديثه بالتأكيد على أن أكبر مكسب تحقق منذ مونديال قطر هو تغيير العقلية الوطنية، قائلا إن المغاربة أصبحوا يؤمنون بأن منتخبهم قادر على الفوز بكأس العالم، بعدما كان هذا الأمر يبدو بعيداً قبل سنوات.
وأضاف أن لقب “أسود الأطلس” ليس مجرد تسمية، بل هو هوية، موضحا أن كل من يدافع عن القميص المغربي يصبح “أسدا من أسود الأطلس مدى الحياة”.

