محمد البقالي*
هذه قراءة أردتها هادئة وموضوعية في قرار الرئيس التونسي قيس استقبال زعيم جبهة البوليساريو أفتحها للنقاش الهادئ البعيد عن الشوفينية والتعصب و “نحن” مقابل”هم” لأننا في نهاية المطاف “شعب واحد في بلدين”!
لذلك من لم يكن قادرا على الخروج من ثنائية “نحن” و “هم” فلا انصحه بقراءة هذه التدوينة و أطلب منه بكل لطف ان يتجنب التعليق.
———
لا يمكن تجاهل أن ما حدث في تونس أول أمس مرتبط بشكل وثيق ب “انقلاب” 25 يوليو 2021. لو لم يحدث “الانقلاب” ما كان لهذا ” الاستقبال” أن يتم. فما جاء به سعيد لم يسبق إليه رئيس تونسي من قبل، وهو يمثل بشكل من الأشكال انقلابا على أسس السياسة الخارجية التونسية المعروفة بهدوئها ونأيها بنفسها عن الصراعات وسياسة المحاور مادام ذلك ممكنا. وفي قضية الصحراء بالذات حرصت تونس تاريخيا على البقاء على مسافة واحدة مم الأطراف كلها تجنبا للصراع وحفظا للود مع بلدين جارين وشقيقين.
لفهم هذا التحول، لا بد من فهم السياق السياس الذي جاء فيه، وهذا يعيدنا إلى أصل المسألة: ” الانقلاب”.
لابد من الاعتراف بدءا أن ما حدث في تونس من “انقلاب” كان أمرًا مفاجئا جدا. لم يتوقع أحد ان رئيسا بمواصفات قيس سعيد بدون قاعدة حزبية تسنده أو خلفية عسكرية أو أمنية تدعمه وبدون امتداد خارجي معلن يرفعه، سيقدم على ما أقدم عليه بتلك الطريقة.
كان الجميع ينظر الى الرجل على أنه في أفضل الحالات مجرد “ظاهرة صوتية” لا تؤخذ على محمل الجد، حتى إن خطة الانقلاب نشرت بتفاصيلها قبل شهرين من حدوثها في موقع ميدل إيست إي البريطاني دون أن يأخذها أحد مأخذ الجد أو على الأقل بالجد الكافي. إلى أن جاء يوم 25 يوليوز 2021، لتكتشف النخبة السياسية التونسية حكومة ومعارضة أنها أخطأت ب “استصغارها” لقيس سعيد، وأنها بينما كانت منشغلة بصراعاتها الصغيرة كان هو يطبخ خطته على نار هادئة بدعم خارجي، وبتنسيق امني مخابراتي عسكري.
لذلك فإن أي تعامل مع سعيد بمنطق “الهبل” كما كان يحلو لبعض مستصغريه أن يصفوه لن يغير من حقيقة الواقع شيئا. وهو أن الرجل لديه مخطط واضح، وسيذهب فيه إلى النهاية. فأوجه الشبه كبيرة بينه وبين القذافي لولا أنه لا يملك ما ملك القذافي من أموال.
وهنا أذكر بأن الرجل في حملته الانتخابية وعد بنظام انتخابي يشبه نظام “الجماهيرية” حيث الانتخابات يتم فيها تصعيد المرشحين من الأسفل إلى الأعلى. ولم يأخذ الناس الأمر مأخذ الجد. هذا المشروع تحول الان الى بند ضمن بنود الدستور الجديد.
في علاقته مع المغرب، لا يمكن فهم موقفه بمعزل عن السياق الداخلي المتداخل مع السياقين الإقليمي والدولي لتونس منذ عام.
أولا: يعاني قيس سعيد من نقص في مشروعيته منذ ” الانقلاب”. وهو يعلم يقينا أن بقاءه في السلطة رهين إلى حد كبير بموقف اللاعبين الدوليين الكبار في الساحة السياسية التونسية، ومن بين أهم اللاعبين في الساحة السياسية التونسية هي فرنسا والجزائر و… إيران.
1/ فرنسا توفر له الغطاء الغربي بعد أن خلصها من “حكم” الاسلاميين، وهي وإن لم تكن ترى فيه رجلها المفضل لكن لا بديل عليه الان، لأن غيابه يرفع احتمالات عودة النهضة الى السلطة باعتبارها الحزب الأكثر تنظيما. لكن فرنسا وإن كانت تاريخيا حليفة للمغرب فهي لن تفعل شيئا لثنيه عن موقفه ” المعادي”. لأن مصلحتها في تأزم محسوب للعلاقات المغاربية حتى يتسع هامش المناورة لديها للاستفادة من كل الأطراف.
2/ أما الجزائر فمعلوم حضورها القوي في تونس منذ الثورة . وهي تملك أوراق ضغط كبيرة على تونس. هذه بعضها باختصار شديد:
أمنيا: الحدود بين البلدين تتجاوز 1000 كيلومتر، وهي حدود لا تستطيع تونس تأمينها بدون دعم جزائري وقد تحولت في مرحلة ما الى مرتع للمجموعات المسلحة. الجيش التونسي محدود العدد وضعيف العدة. وهو غير قادر على تأمين الحدود دون دعم جزائري.
اقتصاديا: هناك من جهة الغاز الجزائري، ومن جهة ثانية السياحة. أكثر من مليون سائح جزائري يدخل تونس سنويا في وقت يعرف فيه الاقتصاد التونسي وضعا كارثيا ينذر بعدم قدرة الدولة على سداد أجور الموظفين.
إعلاميا: تشكل لوبي جزائري قوي وسط النخبة الاعلامية والثقافية التونسية والنتيجة أن العلاقة بين تونس والجزائر ليست ندية على الإطلاق.
3/ العلاقة مع ايران:
هناك علاقة أخرى لا يتم الحديث عنها كثيرا وهي مؤثرة بشكل مستتر، وهي علاقة تونس مع ايران. وقد تعززت مع وصول سعيد الى السلطة. الرجل لديه ود غير معلن لإيران والسفارة الايرانية اضحت لاعبا رئيسيًا مستترا في تونس وخاصة على مستوى نشاطها الثقافي.هناك من يذهب الى اتهام سعيد نفسه بالتشيع، وهناك من يتهم شقيقه نوفل سعيد. ليس هناك دليل لكن المؤكد أن النشاط الايراني قوي في البلد ومعه ارتفاع مد للتشيع.
ولعله من المعلوم أنه العلاقة مع ايران تدفع في اتجاه تعميق التوتر مع المغرب ولن يكون مستغربا ان تزيد تونس خطوة اخرى في اتجاه تأزيم علاقتها مع المغرب. فذاك يخدم الفاعلين الدوليين الرئيسيين في تونس ولا يضر الرئيس على مستوى شعبيته في شيء. واليكم السبب.
وإذا كان سعيد يرى في استرضاء الحزائر سبيلا لتعزيز موقعه في السلطة في ظل تراجع نسبة تأييده بالمقارنة مع بداية الانقلاب، وانفضاض كثير من شركائه السياسيين من حوله الذين لا يجمع بين معظمهم سوى العداء لحزب النهضة، فإنه في المقابل لا يغامر بخسارة شعبية في حال التصعيد ضد المغرب. لسببين رئيسيين:
1/ منذ الثورة سرت في الاوساط التونسية نخبة وشعبا ( مع استثناءات) أن المغرب “سرق” سياح تونس وشركاتها وسوقها الدولية مستغلا ازمتها الامنية والسياسية.
هذا الأمر يتردد في الاعلام وفي حديث المقاهي ويصعب ان تقنع كثيرا التونسيين بغير بذاك. حتى انه ثمة شائعة سرت فوجئت بترديدها من قبل صحافيين مفادها أن المغرب يقف وراء بعض العمليات الارهابية من أجل زعزعة الاستقرار لكي يجلب الشركات الدولية والسياح.
هذه “السردية” غير قابلة للتغيير. تذكروا أن هناك لوبي قوي اعلامي وثقافي مهمته رعاية مثل هذه الصورة.
طبعا يعفي هؤلاء الذين يرددون هذه “السردية المريحة” التي تلقي باللائمة على الآخر يعفون أنفسهم من تقديم أي أدلة أو دراسات تتعلق بالشركات التي قد تكون غادرت تونس الى المغرب، ولا يهمهم أرقام السياحة في المغرب قبل الثورة في تونس وبعدها، ولا طبيعة السياح الذين يأتون الى المغرب وطبيعة أولئك الذين يأتون إلى تونس وما إذا كان قد وقع تحول بالفعل كبعد الثورة التونسية. طبعا لا يطرحون أي سؤال بشأن الدور المحتمل للمغرب! هل فعلا ارتكب في حق تونس ما يوجب هذا التوتر.
لكن كما هو معلوم في السياسة (وفي العلاقات الدولية) الانطباع أقوى من الحقيقة! لماذا سيبحث الناس عن الحقيقة إذا كان الانطباع مريحا ويرعاه لوبي قوي؟
2/ التطبيع: حساسية النخب التونسية ضد التطبيع كبيرة. الشعب التونسي محب للقضية الفلسطينية تماما مثل الشعب المغربي. لذلك فإن التطبيع أساء كثيرا للمغرب. لكم ان تتصورا كيف أصبحت صورة المغرب في المخيال الجماعي التونسي نخبة وشعبا. ويقيني أن التطبيع اكثر كارثة حلت بالسياسة الخارجية للبلد خلال العشرين عاما الأخيرة.
ولذلك فإن قيس سعيد يرى أنه سيربح خارجيا دون أن يخسر داخليا. لكن ما لا يعرفه أن السياسة عابرة لكن الشعوب باقية!
* إعلامي مغربي
(الآراء ووجهات النظر الواردة في مقالات الرأي لا تعبر بالضرورة عن السياسات التحريرية لموقع ‘القناة’)

