القناة – محمد بودويرة
انتقد فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، مضامين البرنامج الحكومي الجديد، مسجلا ما اعتبره غموضا في الاختيارات السياسية وضعفا في الضمانات المرتبطة بتنفيذ الالتزامات، إلى جانب استمرار عدد من الأوراش السابقة رغم رفع مكونات الحكومة شعار “تغيير المسار” خلال الحملة الانتخابية، معلنا تصويته ضد منحها الثقة.
وأوضح رئيس الفريق ياسين عكاشة، خلال مناقشة التصريح الحكومي بمجلس النواب، اليوم الخميس، أن انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى المعارضة لا يعني التخلي عن المسؤولية الوطنية أو رفض استمرارية الإصلاحات الكبرى، بل يقتضي ممارسة معارضة مسؤولة ومستقلة، تقوم على مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية وتقديم البدائل، بعيدا عن منطق المعارضة من أجل المعارضة.
وسجل رئيس الفريق أن البرنامج الحكومي يواصل عددا من الإصلاحات التي أطلقتها الحكومة السابقة برئاسة عزيز أخنوش، معتبرا أن استمرارية الدولة ضرورية للحفاظ على المكتسبات، لكنها لا تعفي الحكومة الحالية من تقديم قيمة مضافة واضحة واختيارات سياسية متميزة.
واستحضر في هذا السياق مؤشرات اقتصادية سجلتها الولاية السابقة، من بينها تراجع التضخم إلى أقل من 1 في المائة، وبلوغ النمو الاقتصادي 4.6 في المائة، وانخفاض عجز الميزانية إلى 3 في المائة، داعيا إلى البناء على هذه المكتسبات ومواصلة تنزيل ورش الدولة الاجتماعية.
وفي تقييمه لمضامين البرنامج، شدد فريق التجمع الوطني للأحرار على ضرورة الانتقال من الأهداف العامة وتجميع البرامج القطاعية إلى التزامات محددة ومؤطرة بآجال زمنية ومؤشرات أداء واضحة، بما يتيح للبرلمان تقييم النتائج وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما سجل ملاحظات بشأن هندسة الحكومة، وما اعتبره تغليبا لمنطق المحاصصة والتوازنات السياسية على الكفاءة والنجاعة، إلى جانب محدودية تمثيلية النساء، التي قال إنها لا تتجاوز ست وزيرات، أي نحو 18 في المائة.
وعلى مستوى الوعود الانتخابية، أثار الفريق، عبر رئيسه، تساؤلات بشأن مآل عدد من الالتزامات، من بينها تخفيض الضريبة على الدخل إلى 20 في المائة، والرفع من الحد الأدنى للأجور إلى 5000 درهم، وتطور الدعم الاجتماعي المباشر، فضلا عن هدفي إحداث مليون منصب شغل صافي وخفض البطالة إلى 7 في المائة في أفق سنة 2031.
وانتقد في هذا الإطار عدم وضوح الإجراءات العملية والجدولة الزمنية الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف، مؤكدا أن برامج التكوين والتأهيل المهني ينبغي أن تقترن بنتائج ملموسة في مجال التشغيل.
كما دعا فريق التجمع الوطني للأحرار وهو المكون الثاني في مجلس النواب، إلى تعزيز حضور الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري في التصور الحكومي، بالنظر إلى دورهما في تحقيق العدالة المجالية وتحديث الإدارة العمومية، وأثار ضرورة توضيح الالتزامات المتعلقة بمحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، مشيرا إلى ما اعتبره تباينا بين التصريح الحكومي ووثيقة البرنامج بشأن تجريم الإثراء غير المشروع.
وامتدت ملاحظات الفريق إلى ملفات اجتماعية وتنموية اعتبر أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي، وفي مقدمتها مغاربة العالم، الذين يتجاوز عددهم ستة ملايين شخص، وتحويلاتهم المالية التي بلغت، وفق المعطيات الواردة في المداخلة، 122 مليار درهم سنة 2025.
كما دعا إلى تطوير سياسات إدماج الأشخاص في وضعية إعاقة، مستحضرا بلوغ عددهم نحو 1.73 مليون شخص، وفق إحصاء 2024، ومعالجة تحديات الاقتصاد غير المهيكل الذي يشغل، بحسب الأرقام المقدمة، نحو 2.53 مليون شخص، ويحقق رقم معاملات سنويا يناهز 526.9 مليار درهم.
وشملت الملفات المثارة أيضا اقتصاد الرعاية، وأوضاع المناطق الجبلية التي تمثل نحو 26 في المائة من التراب الوطني، والحاجة إلى تعزيز التنمية بالمناطق الهشة والمعزولة.
كما نبه الفريق إلى أهمية الاستعداد للأزمات والكوارث الطبيعية واضطرابات سلاسل التوريد، مستحضرا برنامج إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز، الذي رُصد له غلاف مالي قدره 120 مليار درهم على خمس سنوات، وداعيا إلى تطوير منظومة وطنية للاستباق والوقاية والإنذار المبكر.
وفي الشق المالي والترابي، أثار عكاشة الالتزام برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027، مطالبا بتوضيح شروط تنفيذه ومؤشرات تتبعه.
كما شدد على ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، وتعبئة الموارد، وضمان استدامة الإصلاحات، محذرا من الفجوة المحتملة بين الطموحات المعلنة والقدرة الفعلية على الإنجاز.
وفي ما يتعلق بالشباب، انتقد الفريق غياب التزامات أكثر وضوحا بشأن التشغيل والإدماج الاقتصادي والاجتماعي، وأثار مسألة الإعلان مجددا عن إعداد استراتيجية وطنية مندمجة للشباب، داعيا إلى منح هذه الفئة مكانة أوضح ضمن السياسات العمومية، إلى جانب تطوير المقاربات المرتبطة بالتنمية الترابية وتدبير المخاطر والتحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وأكد رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار أن هذه الملاحظات لا تعكس رفضا لاستمرارية الإصلاحات أو للأهداف الاجتماعية والاقتصادية المعلنة، وإنما تستند إلى ضرورة التمييز بين الوعود والنتائج، وبين مواصلة الأوراش السابقة وتقديم إضافات جديدة تتحمل الحكومة الحالية مسؤوليتها السياسية.
واعتبر أن غياب مؤشرات دقيقة وآجال واضحة وضمانات تنفيذية يحد من فعالية الرقابة البرلمانية ويصعب تقييم الأداء الحكومي.
وختم عكاشة مداخلته بالتأكيد على أن تصويت فريق التجمع الوطني للأحرار ضد منح الثقة للحكومة يستند إلى تقييم سياسي ومؤسساتي لمضامين برنامجها، وإلى التخوف من انعكاسات غموض الاختيارات وضعف ضمانات التنفيذ على المواطنين، قائلا: “نحن لا ننتظر فشل الحكومة، بقدر ما نخاف أن يدفع المغاربة ثمن الحكومة”.
وشدد الفريق على مواصلة أداء دوره من موقع المعارضة عبر المساءلة والاقتراح والتقييم الموضوعي، مطالبا ببرنامج حكومي يحدد بوضوح الأولويات والالتزامات والموارد وآجال التنفيذ، ويجعل النتائج المحققة معيارا لتقييم السياسات العمومية ومدى استجابتها لانتظارات المواطنات والمواطنين.

