مبروكي: الكل يعلم أنه ينافِق ويُنافَق..لماذا يُشهر المغاربة ورقة « نحن شعب محافظ » ؟

القناة ـ جواد مبروكي*

ألاحظ دائما أن المغاربة يشهرون ورقة « نحن شعب محافظ »، وأتساءل هل المغربي أعمى لا يرى كيف يعيش مجتمعنا في ضوء النهار وطيلة الليالي الساخنة وما يحدث من سلوك ومعاملات وفكر معاكس تماما لما يزعمه من محافظة؟ ثم أقول ربما يتوهم المغربي ويُهلوس بأننا مجتمع محافظ، أو ربما يعتبر السلطوية الديكتاتورية الذكورية رمزا لمجتمع محافظ.

هذا ما سوف أحاول تحليله في هذه الورقة، والهدف هو الإدراك والوعي والاعتراف بحقيقة مجتمعنا والفكر السائد المتوارث، لأن عدم قراءة صحيحة لمجتمعنا وعدم الاعتراف بحقيقة واقعنا يجعلنا نعيش في هلوسة اعتقاديه وإعاقة كبيرة في تقدم وتطور المجتمع. والاستمرار في النفاق (الكل يعلم أنه ينافِقُ ويُنافَقُ)، يجعلنا نتفكك في رؤيتنا المجتمعية ونتنازع بسبب المسكوت عنه ونعيش في وهم يقودنا إلى الهلاك، وهذا ما ألاحظه في مجتمعنا، وهو سبب الانحلال الخلقي في جميع المجالات والمسكوت عنه كذلك.

وهناك تحليل آخر يشرح هذا التناقض، هو أن كل مغربي يعتبر نفسه ينتمي إلى عائلة محافظة وأكثر محفاظة بالنسبة للآخرين رغم أن سلوكه مختلف تماما مع معنى التيار المحافظ، معتقدا أن نهج حياته الحالية ما هو إلا تجربة سوف تفوت ويعود إلى انتمائه، إلى مجتمعه المحافظ.

سوف أطرح عليكم بعض الأمثلة التي نعيشها يوميا وأترككم تتأملون إن كانت تؤشر على مجتمع محافظ أم لا، علما أن معنى مجتمع محافظ دينيا هو مجتمع يتحلى بالقيم والفضائل الإلهية (العدل، الإنصاف، الصدق، العفة، الأمانة،المحبة، المودة…) والسير على الصراط المستقيم مع غياب كل المحرمات:

– عدد الحانات الكحولية برخصها القانونية وهي مملوءة بالسكارى في حين ينادي المنادي إلى الصلاة في جميع الأوقات.

– قبض الضرائب من محلات الخمور والدعارة المقنَّعة ومزج مالها المحرم والمتسخ بمال الصندوق الوطني.

– العدد الكبير من مُشاهدي الأفلام الإباحية ومحاولة تطبيقها في حياتهم الجنسية داخل أو خارج العلاقات الشرعية.

– ممارسة الجنس خارج مؤسسة الزواج.

– الدعارة المقنَّعة، حيث نرى في عز النهار أصحاب السيارات « يصطادون » الفتيات في الشوارع، ثم نرى بعد حين الفتاة تمتطي السيارة مع شخص مجهول.

– ربا الأبناك المرخص قانونيا وربا الأبناك « حلال » والمقنَّع بِـ »عقدة بيع تشاركية ».

– عدد الملاهي الليلية والدعارة والتحرش بالنساء في الشوارع جهرا.

– الكازينوهات برخصها القانونية.

– الظلم والغش والرشوة في جميع الميادين وفي كل أنواع المعاملات.

هل هناك مغربي واحد لا يرى هذه الأمثلة في حياته؟ ربما سيزعم القارئ أن نسبتها قليلة لا أهمية لها ولكن أتركه مع ضميره ليحكم بنفسه على ما يراه ويعيشه.

هذا الاعتقاد رغم ما نراه من حقائق واقعية في مجتمعنا بأننا « حْنا مجتمع محافظ » هو ما نسميه في الاضطرابات النفسية « الكذب على النفس »، و »الإنكار ». ومع الأسف ما دام الفرد يُصرّ على « الإنكار والتجاهل » فلن يستطيع حل مشاكله وتطوير قدراته وتنمية ذاته. ولهذا في العلاج النفسي يجب أولا على الفرد أن يدرك واقعه الحقيقي وتناقضاته ونزاعاته ويكف عن الإنكار.

وبسبب عدم الاتساق والتناغم بين المعتقد والسلوك يعيش المغربي في التناقض التام ويعيش على منهج الانقسام والانفصام، ويعيش حياتين متناقضتين في آن واحد، مع إنكار النوع غير الخلقي الذي يمارسه. ولهذا نرى كل المجتمعات العربية معاقة وتقيد نفسها بنفسها، وبطبيعة الحال تنكر أنها السبب وتظهر أنها ضحية مؤامرات يهودية وأمريكية تبعدها عن تطبيق قيمها الدينية وبالتالي تعيش الفشل والخسارة.

*خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

مشاركة

أترك تعليقا على الموضوع