القناة ـ محمد أيت بو (صورة أرشيفية)
’الخبر كان رصاصة أطلقت على صدري’، عبارة تلخص بها الأم المغربية ’مريم.ز’ من شمال المملكة، قصة ابنها البكر القابع حالياً داخل محتجزات إحدى المخيمات بالأراضي السورية التابع لقوات سوريا الديمقراطية الكردية، بعد هروبه من انضمام غامض ومثير بين أحضان تنظيم ’داعش’ الإرهابي .
طفولة عادية
تحكي مريم، في حوار مع “القناة”، بكثير من النوستالجيا والحنين، أن ’ابني من مواليد 1995 كان كسائر الشباب المغربي، عاش طفولة عادية، درس بداية في مدرسة خاصة، بعدها قمت بتنقيله إلى مدرسة عمومية، كما أن الجانب العقائدي داخل الأسرة تضيف مريم كان عادياً ’نصلي ونصوم ونعبد الله كباقي المغاربة، دون تشدّدٍ أو غُلو’.
’لم يكن يوماً متشدداً أو عنيفاً، كانت الابتسامة لا تفارق وجهه، بل كان محبوباً من طرف عائلته وأساتذته’، تضيف الأم وذلك “من السنة الأولى التي ولج فيها المدرسة إلى أن حصل على شهادة البكالوريا كان دائما من المتفوقين، وكان يتمتع بذكاء خارق وحصد جوائز عديدة’.
وتقص المتحدثة كيف أن ‘اختياره الدراسي لم يكن سهلا فبعد السنة الثالثة إعدادي اختار التوجه التقني، وبعد حصوله على شهادة البكالوريا التحق بالأقسام التحضيرية، هنا كانت مرحلة انتقالية في حياة ابني’.
مرحلة انتقالية
واسترسلت مريم أن ’مرحلة الأقسام التحضيرية في مسار ابني كانت حاسمة، بعد انتقاله من العيش وسط الأسرة، والاعتماد الكلي عليها، إلى نوع من الاستقلالية، باعتبار أن الأقسام التحضيرية تتوفر على داخلية لإيواء الطلبة’.
في هذه المرحلة، تستطرد المتحدثة، ‘كان يعيش حياته بشكل طبيعي، بل ترك الصلاة، بعد أن كنا نحن من نفرض عليه أدائها، وربط علاقات مع الفتيات، واعتبرت ذلك مسألة طبيعية بالنظر إلى سنه’.
في السنة الثانية في الأقسام التحضيرية تكاسل قليلا في دراسته، تقول الأم “ليقرر بعدها الالتحاق بمدرسة المهندسين بعد أن اجتاز اختبار الولوج بتميز واحتل المرتبة العاشرة وطنياً’، وأشارت مريم إلى أن ’هذه المرحلة من سنة 2015 بدأت تتغير تصرفات فلذة كبدها’.
تقول مريم وهي تحكي قصة ابنها المحتجز حاليا في سوريا أنه ’بعد ولوجه لمدرسة المهندسين، لاحظنا تغير سلوكياته وتصرفاته، إذ ’أصبح يؤدي صلواته، ويرتل القرآن، ويعتزل النساء من صديقاتي ومعارفي، بل اعتزل التلفاز وسماع الأغاني والموسيقى، بعد أن كان في السابق مولعاً بها، بل طلب مني شراء دراجة نارية لكي لا يحتك بالنساء في وسائل النقل العمومية’، الأمر الذي اعتبرته ’هداية من الله وفقط’.
التغيرات الجديدة على تصرفات ابنها، أثارت شكوكاً وريبة لديها ولدى والده خاصة في العام الثاني في مدرسة المهندسين، تحكي مريم، لكن تستدرك بقولها: ’واجهت والده: إليلا مصلاش نقولو ليه علاش مكاتصليش وإلى صلى نقولو ليه علاش كتصلي ميمكنش’.
لحظة الوداع
تستحضر مريم في حديثها مع ’القناة’، كيف كان ابنها متفوقاً في دراسته، رغم التغيرات الجذرية التي طرأت على سلوكياته ونمط عيشه ’سنة 2016 تفوق في امتحانات الدورة الأولى، فرحنا لذلك كثيراً’، لكن بعدها ’بدأ يحضر لرحلة مزعومة لأكادير في 29 يناير 2016، لزيارة صديق له هناك، حيث تبضع كل ما يحتاجه من ملابس وأغراض شخصية’.
وتستطرد المتحدثة أنه ’اقترح علي يوم الرحيل أن أقيم مأدبة غداء على شرف خالته وأسرته وجدته، حيث ساعدني في تحضير كل شيء’.
تقول مريم إنه ’بعد أدائه صلاة الجمعة، حضر رفقة الضيوف بـ’لوك’ جديد معاصر الذي كان يقول عنه إنه ’حرام’، الشيء الذي بعث في نفسي شيء من الريبة والشك ’ماريحاتنيش’ لكن لم أناقش معه الأمر’.
بعدها، تحكي مريم وهي تغالب دموعها الاي سرعان ما انهمرت بغزارة أثناء حديثها إلينا، أنه ’بعد أن أدى صلاة المغرب ارتدى ملابسه وجمع أغراضه، وقصدني إلى المطبخ أنا وخالته، وقال: ’الواليدة حنا مسامحين’ وخرج.
تستحضر مريم لحظة خروج ابنها من البيت بكل تفاصيلها، والتي كانت صعبة عليها، إذ تحكي بصوت مبحوح، أنه ’بعد أن لفظه باب الشقة قلبي اهتز وركضت وراءه إلى المصعد، ووقفت أمامه صامتة أتأمل فيه، ولا أدري ما أقوله، قبل أن أمد له ورقة نقدية من فئة 50 درهم ليشتري بها ما يأكله خلال رحلته المزعومة’.
’الواليدة نسايني !!’
رحلة أكادير لم تكن سوى خدعة من طرفه يبدو أنها من نسج أقرانه الجدد، بل ظل في مدينة طنجة، وفي مساء اليوم الموالي، بعد اتصالات متكررة من والده، “تواصل معنا وطلب منا عدم الاتصال به بدعوى أنه سيكون رفقة أصدقائه، والحقيقة أن ذلك المساء هو موعد رحلته إلى تركيا”.
في تلك الليلة، تردف مريم “جلسنا أنا ووالده ننتظر أخباره، بعد محاولات كثيرة للاتصال به دون جدوى، قبل أن يرسل لي رسالة نصية من رقم هاتفي تركي لم أميزه جيداً بحكم أن هاتفي لا يظهر بشكل جيد أرقام الهواتف، قال فيها ’والدتي اعذرني لم أتواصل معكم لأننا وصلنا متأخرين، حتى الغد وأتواصل معك’”.
آنذاك بدأ والده يشك، لاسيما أن التغير الذي طرأ على تصرفاته، وبداية الحديث عن الشباب الذين يسافرون إلى سوريا، تسترسل مريم أنه في الصباح الموالي “تواصل معي، وسألته عن مكانه، وقال إننا في منطقة نائية بأكادير لا تتوفر فيها خدمة الاتصالات، مطمئناً إياي ألا أخاف عليه إذا لم يتواصل معي”.
يوم الأحد، في تلك السنة، بدأت تتداول أخبار عن سفر شابين من ’الحومة’، توضح الأم، إلى تركيا رفقة شخص ثالث لا تعرف هويته، “والتي لم تكون سوى هوية ابني، الأمر الذي سأكتشفه صباح يوم الاثنين، بعد أن توصل والده بالخبر.
’ابنك في تركيا’، عبارة من والده عبر مكالمة هاتفية معي، تقول مريم إنها كانت ’نقطة بداية العذاب ديالي’، ’معاناة لا أستطيع وصفها، ولا كلمات تكفي لوصف تلك اللحظة الفارقة في حياتنا، أصبحت كالمجنونة بين جدران منزلي’، وتقول مريم باكية ’ضاع الحلم، وأحسست أن 19 سنة مما شيدته وبنيته انهار فوق رأسي، هل ألوم نفسي أم ألوم فلذة كبدي، أم ألوم المجتمع؟’.
مساء ذلك اليوم اتصل بجدته وطلب منها تمرير الهاتف لخالته، “هنا لم أشعر كيف نزعت الهاتف من يد والدتي، وبدأت أصرخ ’ولدي عود إلينا سأموت بدونك’، رد علي بكلمة واحدة كانت رصاصة أطلقت على صدري، تقول مريم بصوت مخنوق ’الواليدة نسايني !!”.
الضربة القاضية
بعد أسبوع من تواجده في تركيا، تقول مريم “وصلتني رسالة منه، يخبرني فيها أنه تم توقيفه رفقة صديقيه في الحدود التركية السورية، وتم اقتيادهم إلى مخيم للاجئين، ولسوء الحظ أنه التقى بشخصين من طنجة وخططوا للهرب من الملجأ”.
بعد هروبهم من الملجأ، جرى توقيفهم للمرة الثانية على الحدود من طرف حرس الحدود التركي، واقتادهم للسجن في تركيا حيث قضى عاماً كاملاً هناك، حيث كان يتواصل مع عائلته من داخله، “وبدأت أتحرك وأستفسر عن إمكانية ترحيله بعد انقضاء مدة محكوميته”.
لكن بعد عام من السجن، تحكي السيدة مريم، أخبرني أنه أطلق سراحه، وسيبني حياته من جديد هناك، “ولكن بعد 15 يوماً من ذلك تواصل معي على غير عادته في أوقات عملي، استغربت للأمر مستفسرة إياه ماذا يحدث، ليجيبني ’توحشت نسمع صوتك، لا غير’”.
الرصاصة الثانية
كان ذلك بتاريخ 15 مارس 2017، وتلك كانت آخر مكالمة بينه وبين أمه آنذاك، وبتاريخ 25 مارس 2017، “بعد استعدادي للذهاب لعملي فتحت هاتفي لأتفاجأ به ’أونلاين’ فبادرته بالسلام، ليرسل لي صورة له، مخبراً إياي أنه وصل إلى سوريا، تلك كانت الرصاصة الثانية بل هي الضربة القاضية، فسقطت أرضاً ولم أعد أستطيع الحركة من هول الصدمة”.
بعد دخولهم لسوريا، ظل الابن ومن معه في إدلب، داخل منزل يسمى ’المضافة’ ينتظرون من شهر مارس إلى يوليوز 2017 للالتحاق بتنظيم ’داعش’، تلك المدة بأكملها، تسرد مريم ” كنت أفكر في أمر واحد، كيف سأتقبل خبر وفاته؟”.
’الزواج والانشقاق’
“في يوليوز 2017، توصلت برسالة من رقم هاتفي سوري، يقول فيها ’ولدك دخل أرض الإسلام’”، تحكي مريم بكثير من الحزن ’حينها بدأت أردد عبارة نهاية القصة اقتربت’، مضيفة ’في غشت 2017 تواصل معي ولدي وأحسست أن الحالة النفسية لابني ليست على ما يرام’.
وكشفت السيدة مريم، أن ابنها أصيب بمرض ’بوصفير’ وكان يتلقى العلاج هناك، حيث أرسل لها التحاليل الطبية، مخبراً إياها أنه لم يشارك في المعارك الحربية بسبب مرضه.
’تواصل معي أحد أصدقائه المدعو ’أبو فراس’، وأخبرني أن ابني مريض، وطلبت منه تزويجه ليجد من يؤنسه في وحدته، ذلك ما كان بعدها تحسنت نفسيته’، بعد مدة تحكي مريم ’تواصلت مع ’أبو فراس’ وأخبرني أن ابني ماض إلى الهلاك بعد أن انشق عن التنظيم’.
بعد أسبوع تقول المتحدثة بتأثر شديد ’وصلتني رسالة من رقم هاتفي آخر، يقول أنه صديق لابني، فأرسل لي صورة له ورسالة صوتية له، يطمئن عليه، وطلب مني أن لا أثق في المدعو ’أبو فراس’ وسيحكي لي الحكاية في وقت لاحق’.
علمت بعد ذلك، تردف مريم على لسان ابنها، أنه هرب رفقة عدد من المنشقين عن التنظيم، ليختبئوا في منطقة أخرى، بعد أن احتجوا على طريقة فهم ’داعش’ للإسلام، ليشكوهم ’أبو فراس’ للتنظيم، واعتبروا ابني ’مرتداً وأباحوا دمه’، ليهرب مختبئاً في منطقة تدعى ’سوسة’ رفقة شباب من تطوان وطنجة.
الهروب واتصال الرباط
بعد خمسة أشهر من الاختباء، تضيف المتحدثة ’تمكن صديقان له من الوصول إلى تركيا بمساعدة أحد المهربين، وذلك في شهر مارس 2018، ليقرر بعد شهر من ذلك من الهروب بدوره إلى الديار التركية رفقة أحد أصدقائه من تطوان، إلى أن وصل إلى الحدود التركية، حيث كان من المقرر أن يختبأ في ’أرفة’ وتسليم أنفسهم للقنصلية المغربية، لكن لم يبد ارتياحه للمهرب الذي كان ينظم العملية’، تحكي مريم على لسان ابنها.
انقطعت أخباره منذ ذلك، إلى غاية 16 غشت 2018، “توصلت بمكالمة هاتفية من العاصمة الرباط من طرف منظمة ’الصليب الأحمر’ تخبرني أن إبني تم توقيفه في سوريا في ’مكان آمن’، الأمر الذي لم أتقبله، بالرد عليها ’سوريا ليست بمكان آمن’.
أخبرني الصليب الأحمر، تقول السيدة مريم، إنه وصلتني رسالة من ابنها، “فطلبت موافاتي بها في أقرب وقت وأسرع وسيلة، وما المعمول في هذه الحالة، لأسترجع ابني ليعود إلى أرض الوطن، فطلبوا مني الحضور إلى الرباط، ذلك ما كان، فأخبروني أن ابني معتقل من طرف ’الأكراد’ بتاريخ 04 /04/ 2018، وعليك التوجه إلى وزارة الخارجية، فأرسلت طلباً للوزارة أكدت لي بعد ذلك أن ابني من الأربعين المتواجدين هناك”.
’نحن بأمان’
وعن كيفية التواصل معه حالياً، توضح مريم ’أتواصل مع ابني عبر ’الصليب الأحمر’، وكانت رسالته الثالثة الأخيرة توصلت بها بتاريخ 21/01/2019، ومكتوب فيها ’نحن بأمان وبصحة جيدة’.
وحول ظروفه الصحية، تجيب مريم ’الله أعلم، لكن كانت هناك صحافية من ’واشنطن بوست’، قد تمكنت من الدخول إلى مكان تواجده هناك، وعقدت معه مقابلة صحفية، وأحضرت لي صورة له ومقطع فيديو له لكنها رفضت تسليمه لي’.
وحكت لي الصحافية، تردف مريم أن ’نفسية ابني مدمرة، فهو يطالب بترحيله إلى المغرب، لكن الظروف مازالت غامضة، ومن خلال ذلك الحوار يتضح أنه ندم وأخطأ من مغادرته للوطن’، وقبلها تضيف المتحدثة ’حكى لي أنه مستعد لتقبل أي حكم قضائي هنا بالمغرب ودخول السجن إذا اقتضى الحال’.
’مناشدة بقلب أم مكلومة’
بكثير من الحرقة، تكرر السيدة مريم أن ابنها لم يكن يوماً عنيفاً، ’لم يكن يوما متشددا، وكان يربط علاقات بالفتيات ويحب الموسيقى’، وترى أنه تم التغرير به، ولا تدري الظروف التي سافر فيها نحو سوريا للالتحاق بتنظيم ’داعش’ الإرهابي، ولا الجهات التي حاولت إقناعه بالسفر.
’واش العام لي صلى فيه، مشا اجاهد فيه’، عبارة لخصت بها السيدة مريم، وهي تغالب دموعها، حيرتها من قصة ابنها الذي تجهل خلفيات وكواليس قراره، بل تشدد على أنه تم التغرير به للالتحاق ببراثن ’داعش’ الإرهابي.
وشددت السيدة مريم على أن مطلبها الأول والأخير، هو عودة ابنها إلى أرض الوطن، وإن اقتضى الأمر أن يحاكم ’ماشي مشكل اتحاكم، على الأقل سيكون بيننا’، وأنها مستعدة للتضحية من أجل أن يسترجع حياته الطبيعية.
وناشدت السيدة مريم الملك محمد السادس، وكل مسؤول في وزارة الداخلية، وكذا وزارة الخارجية والتعاون الدولي بالتدخل، وتقول: ’لا أخاطب فيهم المسؤول السياسي، بل أخاطب فيهم الأب، ليعطفوا على هؤلاء الشباب’.
وتابعت ’يكفي أنهم أحسوا بالندم، ويعرفون أنهم على خطأ، وأمنيتهم الخاصة أن يعودوا إلى أرض الوطن ويحاسبوهم على ما اقترفوه’، مضيفة ’أناشدكم بقلب الأم المكلومة، قلب أم انقلبت حياتها رأسا على عقب ليحنوا على هؤلاء الشباب’.

