القناة من الدار البيضاء
كشف تقرير حديث لمرصد العمل الحكومي حول حصيلة حكومة عزيز أخنوش (2021-2026) أن الاستثمار العمومي واستمرار الأوراش الكبرى شكّلا أحد أبرز عناصر القوة خلال هذه الولاية، حيث تم اعتماده كرافعة مركزية للحفاظ على الدينامية الاقتصادية، ومواجهة آثار الجفاف والتضخم والاضطرابات الدولية، إلى جانب تسريع البنيات التحتية المهيكلة.
وأفادت المعطيات الرسمية الواردة في التقرير أن الغلاف الاستثماري عرف ارتفاعا متواصلا، منتقلا من حوالي 230 مليار درهم سنة 2021، أي قبل بداية الولاية، إلى 340 مليار درهم سنة 2025، ثم إلى 380 مليار درهم في مشروع قانون مالية 2026، ما يمثل زيادة تناهز 150 مليار درهم خلال ست سنوات، بنسبة تقارب 65 في المئة، وهو ما يعكس توجها واضحا نحو الاعتماد على الاستثمار العمومي لمواصلة النمو وامتصاص تباطؤ الاستثمار الخاص.
وأوضح التقرير أن هذا الجهد الاستثماري لسنة 2026 توزع على مكونات مؤسساتية متعددة، شملت 179,7 مليار درهم موجهة للمؤسسات والمقاولات العمومية، و132,8 مليار درهم للميزانية العامة والحسابات الخصوصية، و45 مليار درهم لصندوق محمد السادس للاستثمار، و22,5 مليار درهم للجماعات الترابية، في إطار هندسة مالية موسعة تضم الدولة والمؤسسات العمومية وصناديق الاستثمار والجهات.
وساهم هذا التوجه، بحسب المصدر ذاته، في تمويل مشاريع كبرى همّت الطرق السيارة والسكك الحديدية وتوسعة المطارات، إضافة إلى ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، فضلا عن تسريع تمديد خط القطار فائق السرعة نحو مراكش، وهي مشاريع تعزز التنافسية اللوجستية للمغرب وتدعم تموقعه الإقليمي.
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أن استمرار الأوراش الكبرى ارتبط ببرامج ذات بعد استراتيجي، خاصة في مجالي الأمن المائي والانتقال الطاقي، حيث تم تخصيص 16,4 مليار درهم سنة 2026 لمشاريع الماء، تشمل بناء 16 سدا كبيرا وبرمجة سدين جديدين، إلى جانب تسريع مشاريع الربط بين الأحواض وتحلية مياه البحر، موازاة مع استثمارات في قطاعات الطاقة والاتصالات والسكن والفلاحة والصناعة والتحول الرقمي.
وسجل التقرير أن الحكومة حافظت على مستوى غير مسبوق من ميزانية الاستثمار العمومي، بالتوازي مع تمويل البرامج الاجتماعية الكبرى، ما يعكس توجها يجمع بين الدولة الاجتماعية والدولة المستثمرة، مع التأكيد على أن تقييم هذه الحصيلة يظل مرتبطا بمدى نجاعة هذا الاستثمار في خلق فرص شغل مستدامة وتحقيق أثر مباشر على النمو والقدرة الشرائية.
تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر
وأوضح التقرير أن ورش تعميم الحماية الاجتماعية شكل أحد أبرز المنجزات البنيوية، حيث تم بناء منظومة وطنية متكاملة ترتكز على التدرج من الحق في العلاج إلى الحق في الدعم المباشر وفق معايير موحدة للاستحقاق. وفي هذا الإطار، جرى توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لتتجاوز 32 مليون مستفيد خلال 2025، أي حوالي 88 في المئة من الساكنة، مع إدماج الفئات المعوزة ضمن نظام “أمو تضامن” وتوسيع تغطية العمال غير الأجراء.
كما تم تنزيل نظام الدعم الاجتماعي المباشر، حيث بلغ عدد الأسر المستفيدة حوالي 3,9 مليون أسرة، أي أكثر من 12,5 مليون مواطن، يستفيدون من إعانات شهرية تتراوح بين 500 و1.350 درهما حسب تركيبة الأسرة ووضعياتها. ورافق هذا الورش إحداث الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي وتوسيع أدوار الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إلى جانب اعتماد السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد لتحسين دقة الاستهداف.
دعم الاستثمار الخاص وتحسين مناخ الأعمال
وفي ما يتعلق بدعم الاستثمار الخاص، سجل التقرير الانتقال إلى إطار استراتيجي جديد يقوده الميثاق الجديد للاستثمار المعتمد نهاية 2022، والذي يستهدف تعبئة 550 مليار درهم وخلق 500 ألف منصب شغل في أفق 2026، مع رفع حصة الاستثمار الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني بحلول 2035. كما تم تعزيز دور المراكز الجهوية للاستثمار وتبسيط المساطر، ما ساهم في تحسين مناخ الأعمال وتقليص كلفة الزمن الإداري.
وعلى مستوى الاستثمارات الأجنبية، تمت المصادقة خلال الدورة العاشرة للجنة الوطنية للاستثمارات بتاريخ 2 أبريل 2026 على 44 مشروعا بقيمة 86,36 مليار درهم، موزعة على 10 جهات و18 قطاعا، مع إحداث حوالي 20.500 منصب شغل. كما سجلت عائدات الاستثمار الأجنبي المباشر سنة 2025 ما مجموعه 56,1 مليار درهم، بزيادة 22 في المئة مقارنة بسنة 2018.
الورش القانوني والمؤسساتي
وفي الشق القانوني والمؤسساتي، أبرز التقرير اعتماد القانون الإطار 50.21 لإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، إلى جانب نصوص مؤطرة للميثاق الجديد للاستثمار وتحديث المراكز الجهوية للاستثمار. كما شملت الإصلاحات المجال الاجتماعي عبر توسيع التأمين الإجباري وإحداث الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، فضلا عن القانون 54.23 المتعلق بنقل تدبير التأمين الإجباري عن المرض للقطاع العام.
ومن بين النصوص البارزة أيضا، القانون التنظيمي 97.15 المتعلق بممارسة حق الإضراب، والقانون 58.25 الخاص بالمسطرة المدنية، إضافة إلى قوانين التعليم العالي والتعليم المدرسي، في إطار توسيع الإصلاحات لتشمل العدالة والتعليم والحكامة.
الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية
وفي ما يخص التوازنات الماكرو اقتصادية، أشار التقرير إلى الحفاظ على مسار تنازلي للعجز من 3,9 في المئة سنة 2024 إلى 3,5 في المئة سنة 2025، مع توقع بلوغه 3 في المئة خلال 2026، مدفوعا بتحسن المداخيل الجبائية. كما يتجه الدين العمومي نحو الاستقرار، مع توقع بلوغ الاحتياطيات من العملة الصعبة حوالي 448 مليار درهم بحلول 2027، بما يغطي 5,5 أشهر من الواردات.
وسجل التقرير أيضا استقرار سعر الفائدة الرئيسي في 2,25 في المئة وتوقع تضخم في حدود 0,8 في المئة خلال 2026، مع نمو اقتصادي متوقع بين 4,8 و5,2 في المئة، معتبرا أن هذه التوازنات ما تزال حساسة للصدمات الخارجية.
وفي مجال الحوار الاجتماعي، تم توقيع اتفاقين رئيسيين سنتي 2022 و2024، أسفرا عن زيادة عامة في أجور القطاع العام بقيمة 1000 درهم، وتحسين دخل فئات مهنية خاصة في التعليم والصحة، بكلفة مالية فاقت 17 مليار درهم، إضافة إلى 2 مليار درهم للتعليم العالي و3,5 مليارات درهم للصحة. كما ارتفع الحد الأدنى الصافي في القطاع العام من 3000 إلى 4500 درهم، فيما ستبلغ الكلفة الإجمالية للحوار الاجتماعي 45,7 مليار درهم في أفق 2026.
وفي القطاع السياحي، سجل المغرب سنة 2025 رقما قياسيا بـ19,8 مليون سائح، بزيادة 14 في المئة مقارنة بـ2024، مع مداخيل بلغت 138 مليار درهم بارتفاع يقارب 19 في المئة. غير أن متوسط العائد لكل سائح ظل في حدود 6260 درهما، ما يعكس فجوة بين عدد الوافدين وحجم العائدات، ويطرح تحدي الانتقال نحو سياحة ذات قيمة مضافة أعلى.

