القناة من الرباط
في خضم عودة الجدل القديم / الجديد حول ملف دعم استيراد الأغنام، وما أثير بشأن ما بات يوصف إعلاميا بـ”الفراقشية”، اختار فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن يقدم توضيحا يضع من خلاله حدودا دقيقة لمسؤوليته الحكومية، مؤكدا أن دوره يتركز أساسا في تحديد الاعتمادات المالية، بينما تقع مسؤولية صرفها وتنفيذها على الوزراء المعنيين بالقطاعات.
التصريح، الذي حمل عنوان “بوضوح” على منصة “يوتيوب“، يبدو في ظاهره شرحا للاختصاصات القانونية للوزير المنتدب المكلف بالميزانية، غير أن توقيته وسياقه السياسي يطرحان أسئلة أوسع من مجرد التذكير بالتقسيم الإداري للاختصاصات، خصوصا أن النقاش حول دعم استيراد الأغنام لم يعد تقنيا أو محاسبيا فقط، بل تحول إلى ملف سياسي وشعبي حساس، يتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026.
لقجع يؤكد في تصريحه أن الوزراء “يشتغلون في نطاق محدد وفي مجال يحدده القانون”، وأن مهامه كانت تمارس «تحت الغطاء الإداري لوزارة الاقتصاد والمالية” وفي إطار النطاق العام الذي يشرف عليه رئيس الحكومة.
كما يوضح أن اختصاصه يرتبط بتدبير موارد الدولة وتحديد الاعتمادات التي تدرج في مشروع قانون المالية، قبل أن تصبح تلك الاعتمادات قابلة للتنفيذ بعد مصادقة البرلمان.
ويذهب الوزير المنتدب أبعد من ذلك حين يضع فاصلا واضحا بين مرحلة إعداد الاعتمادات ومرحلة إنفاقها، قائلا إن مسؤوليته تنتهي عمليا بعد المصادقة على قانون المالية، بينما يتولى الوزير القطاعي تنفيذ المشاريع وتدبير الأموال المرصودة لها.
المسؤولية السياسية عن القرارات المالية
غير أن الإشكال الذي يطرحه هذا التوضيح لا يتعلق فقط بما إذا كان الوزير المنتدب المكلف بالميزانية يملك، من الناحية القانونية، صلاحية اتخاذ القرار القطاعي، وإنما يتعلق أيضا بمسألة المسؤولية السياسية عن القرارات المالية الكبرى التي تتخذها الحكومة، وبمدى إمكانية اختزال دور وزير الميزانية في مجرد “تحديد الأموال” ثم إعلان انتهاء المسؤولية بمجرد تصويت البرلمان على قانون المالية.
ففي القضايا التي تثير نقاشا واسعا حول المال العام، لا تتوقف الأسئلة عند الجهة التي وقعت آخر وثيقة للصرف، بل تمتد إلى من اقترح الإجراء، ومن ناقشه، ومن وفر له الغطاء المالي، ومن صادق عليه داخل المنظومة الحكومية، ومن تابع نتائجه، ومن يتحمل المسؤولية السياسية عن حصيلته.
وهنا تحديدا تظهر حدود الرواية التي يقدمها لقجع. فالتأكيد على أن الوزير القطاعي هو المسؤول عن التنفيذ لا يلغي، بالضرورة، الدور الذي تضطلع به وزارة الميزانية داخل صناعة القرار المالي للحكومة، ولا يلغي كذلك مبدأ المسؤولية السياسية المشتركة داخل الجهاز التنفيذي، كل ذلك طبعا في حدود ما تثبته الوثائق والمساطر القانونية في كل ملف على حدة.
الأكثر إثارة للانتباه في خطاب لقجع هو أنه لا يكتفي بتفسير اختصاصاته، بل يضع نفسه صراحة داخل موقع الوزير الذي تحكمه صلاحيات قانونية محددة، مقابل توسيع مجال مسؤوليته حين يتحدث عن اختياره العمل السياسي حتى يتمكن من مناقشة السياسات العمومية “بشكل أفقي”، بعيدا عن القيود التي تفرضها الصلاحيات الوزارية المحددة.
هذا التمييز قد يبدو منطقيا من الناحية الإدارية، لكنه سياسيا يفتح بابا آخر للنقاش: هل يمكن لعضو في الحكومة أن يتعامل مع الملفات ذات الكلفة المالية الكبيرة باعتبارها مجرد إجراءات تدخل في اختصاص قطاعي محدد، أم أن المسؤولية السياسية تفرض عليه، باعتباره جزءا من الأغلبية الحكومية، أن يجيب أيضا عن الأسئلة المتعلقة بالاختيارات والنتائج والتداعيات؟.
ويزداد وقع هذا السؤال بالنظر إلى أن لقجع ليس وزيرا مستقلا عن السياق السياسي للحكومة، بل يشغل منصبا حكوميا داخل أغلبية يقودها حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح. وبالتالي فإن محاولة تقديم الملف باعتباره مجرد مسألة توزيع للاختصاصات بين الوزراء قد لا تقنع الرأي العام الذي ينظر إلى الحكومة باعتبارها مسؤولية سياسية جماعية، حتى وإن كانت الاختصاصات القانونية موزعة بين أعضائها.
إعادة رسم خريطة المسؤولية داخل الحكومة
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تصريح لقجع باعتباره محاولة لإعادة رسم خريطة المسؤولية داخل الحكومة: الميزانية من اختصاصه، والإنفاق من اختصاص الوزير القطاعي، والتنسيق من اختصاص رئيس الحكومة. لكن هذه المعادلة، مهما بدت منضبطة من الناحية الإدارية، لا تجيب وحدها عن السؤال السياسي الأهم: من يتحمل مسؤولية القرار الحكومي عندما يتعلق الأمر بسياسة عمومية مشتركة تتقاطع فيها اختصاصات أكثر من وزارة؟
والأهم أن تصريح لقجع يأتي في لحظة انتخابية شديدة الحساسية، حيث أصبحت الملفات المرتبطة بالمال العام والدعم الحكومي والمردودية الاقتصادية محط اهتمام مباشر لدى الناخبين. لذلك، فإن أي محاولة لتحديد المسؤولية في ملف الأغنام ستقرأ بالضرورة أيضاً من زاوية سياسية، لا سيما أن الأطراف التي شاركت في تدبير الملف توجد اليوم أمام اختبار انتخابي.
ولا يعني ذلك، في المقابل، أن مجرد وجود لقجع في منصب وزير مكلف بالميزانية يجعله مسؤولا قانونيا عن كل عملية صرف تمت داخل الحكومة. فالمسؤولية القانونية لا يمكن افتراضها أو بناؤها على الانتماء الحكومي، وإنما تحتاج إلى تحديد دقيق للاختصاصات والقرارات والوثائق والمساطر المتبعة. لكن المسؤولية السياسية شيء آخر، وهي التي تجعل الوزراء مطالبين بتقديم تفسير يتجاوز أحياناً الحدود الضيقة للتوقيع الإداري.
لهذا، فإن النقاش الحقيقي الذي يفرضه تصريح لقجع ليس ما إذا كان الوزير القطاعي هو صاحب الاختصاص في صرف الاعتمادات، فهذا يمكن حسمه بالرجوع إلى القوانين والمساطر، وإنما ما إذا كانت المسؤولية الحكومية يمكن تجزئتها إلى هذا الحد عندما يتعلق الأمر بقرار عمومي أثار كل هذا الجدل.
فبين “تحديد الاعتمادات” و”صرفها” توجد منظومة كاملة من القرارات والتنسيق والتقييم والمراقبة السياسية. وإذا كان لقجع يصر على أن مسؤوليته انتهت عند المصادقة على قانون المالية، فإن الرأي العام يملك الحق في أن يسأل عن طبيعة الدور الذي لعبته وزارة الميزانية في القرار المتعلق بالدعم، وعن الجهات التي اقترحته، وعن مسار اعتماده، وعن آليات تتبع أثره، وعن المسؤوليات السياسية المترتبة عن نتائجه.
وبذلك، فإن “بوضوح” الذي اختاره لقجع عنوانا لتصريحه قد لا يغلق الجدل بقدر ما يعيد توجيهه. فبدلا من إنهاء النقاش حول المسؤولية، يفتح التصريح سؤالا أكبر حول الفرق بين المسؤولية القانونية المحددة بنصوص الاختصاص، والمسؤولية السياسية التي يتحملها أعضاء الحكومة بشكل جماعي.
وفي سياق انتخابي لا يفصل المغاربة عنه سوى أسابيع قليلة، سيكون من الصعب إقناع الرأي العام بأن الملفات الحكومية الكبرى يمكن أن تختزل في سؤال: “من صرف المال؟”.
فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: من اتخذ القرار؟ ومن دافع عنه؟ ومن وافق عليه؟ ومن راقبه؟ ومن يتحمل مسؤوليته السياسية عندما لا تحقق نتائجه ما كان منتظراً منها؟.

