بهدووووء.. بعيدا عن جدل مسلسل “فتح الأندلس”. فتح أم غزو؟!

2022-04-15 : 23:00

بهدووووء.. بعيدا عن جدل مسلسل “فتح الأندلس”. فتح أم غزو؟!

سناء العاجي*

الأندلس.. فتح أم غزو؟

تخيل أن تقوم بقتل شخص وسلب داره.. وأن يكون النقاش في محيطك ليس حول إدانة الجريمة التي ارتكبتها، بل فقط حول التوقيت الذي قمت فيه بجريمتك، أو لون القميص الذي كنت ترتديه، أو عمرك حين ارتكبت الجريمة.

تخيل، أن يختلفوا حول اسمك العائلي ولون شعرك ونظافة حذائك وأنت تقتل.. وأن لا يدينوا الجريمة في النهاية! هذا بالتحديد ما يحدث اليوم من نقاش حول هوية طارق بن زياد في مسلسل “فتح الأندلس”.

نقاشات كثيرة دارت حول المغالطات التاريخية التي يقدمها المسلسل، وهو نقاش سليم في النهاية. لكن، في نفس الوقت، علينا أن نعترف أن معظم الأفلام والمسلسلات المستلهمة من حكايات تاريخية في السينما والتلفزيون عبر دول العالم، تغير كثيرا من المعطيات التاريخية، لأسباب إيديولوجية وأحيانا فقط للبناء الدرامي للعمل.

ليس مطلوبا من العمل التخييلي أن يكون وفيا للمعطيات التاريخية. الذي يريد أن يعرف التاريخ، عليه أن يشاهد الأفلام الوثائقية أو يقرأ كتب التاريخ أو هما معا. أما العمل التخييلي المستلهم من التاريخ (رواية، فيلم سينمائي، مسلسل)، فوارد جدا أن يغير المعطيات وطبيعة الشخصيات.

كما أن حكاية المحامي الذي رفع دعوى قضائية لوقف بث المسلسل على القناة الأولى المغربية هو عبث استبدادي آخر. العمل الفني يواجه بالنقاش والنقد، وليس بدعاوى المنع.

الآن، المشكل أمام مسلسل فتح الأندلس ليس هو تحريفه لمعطى تاريخي يتعلق بهوية طارق بن زياد، هل هو أمازيغي مغربي أم عربي مشرقي..

المشكل الحقيقي في أن “غزو الأندلس” (وليس فتحها) لا يطرح للنقاش والنقد والانتقاد. المشكل الحقيقي أننا فخورون بغزونا واستعمارنا لبلدان الغير. وحين قرر الأندلسيون استرجاع بلدهم، سمينا ذلك “طردا”.

من المؤكد تاريخيا أن الحروب كانت جزءا من مكونات حضارات عديدة. كانت الدول الأقوى تغزو دولا أضعف وتستعمرها وتستغل خيراتها.. واستمر ذلك إلى منتصف القرن العشرين. لكن معظم الحضارات المتقدمة ناقشت تلك المرحلة من تاريخها بالنقد، وبعضها اعتذر للشعوب المستعمَرة سابقا.. وبغض النظر عن مواقف تلك الدول، فمعظم المثقفين والفاعلين والحقوقيين هناك، ينظرون لتلك الحقب التاريخية بموقف نقدي. فما بالنا اليوم مازلنا نعتبر استعمارنا لشعوب أخرى مصدر فخر؟ ما بالنا نفتخر باحتلال الدولة العثمانية وقبلها الدول الأموية والعباسية لشعوب كثيرة وسبي نسائها وقتل شعوبها ونهب خيراتها، ونعتبر ذلك فتحا ومصدر فخر؟ متى ستكون لنا شجاعة الاعتراف أن ذلك كان غزوا واستعمارا؟

اليوم، ونحن نناقش التاريخ الاستعماري لأوروبا (ونحن محقون في ذلك لأنها فترة تستحق المساءلة النقدية)، هل نملك نفس الشجاعة للاعتراف بتاريخنا الاستعماري وبما خلفه من آثار فظيعة ولا إنسانية؟ هل نملك شجاعة مساءلة عبارات من قبيل “الفتح” و”الفتوحات” لنسميها باسمها الحقيقي: الغزو، الاستعمار؟ كيف نقبل بازدواجية رهيبة تتحدث في نفس الوقت عن “الفتوحات الإسلامية” وعن… “الحروب الصليبية”؟ أليست هي في النهاية نفس الممارسة المذمومة، التي كانت ربما مقبولة في زمنها والتي تستحق منا اليوم أن نتحلى بشجاعة النقد؟

بالمناسبة، فموضوع “الفتوحات العربية في روايات المغلوبين”، هو قضية فكرية جوهرية تستحق المراجعة وتتوفر حولها كتابات كثيرة لمن يرغب في البحث والتفكير الجدي في الموضوع، بعيدا عن الشوفينية القبلية أو الدينية.

لكل هذا، أجد النقاش حول أمازيغية أو عروبة طارق بن زياد ثانويا. المؤرخون يعطوننا ما يكفي من المفاتيح لفهم السياقات والمعطيات التاريخية. لكن القيم الإنسانية والمعرفية الحديثة يفترض أن تدفعنا لكي نسائل ما قام به طارق بن زياد وغيره.. وأن نعترف بالغزوات والقتل والظلم الذي تم في حق الآخرين، من وجهة نظرهم. أما أن نفتخر به، فنحن حقا لا نشبه قيم عصرنا ولا نملك شجاعة مساءلة ماضينا.

*كاتبة مغربية 

**الآراء الواردة في مساحة “آراء ومواقف” لا تعبر بالضرورة عن وجهات النظر والخط التحريري لموقع “القناة”

طقس الأحد | أجواء حارة نسبيا.. وأمطار خفيفة في هذه المناطق

طقس الأحد | أجواء حارة نسبيا.. وأمطار خفيفة في هذه المناطق

وهبي يرد على “الحركة التصحيحية”: لا أعترف بورقة مجهولة.. وبيتي من حديد

وهبي يرد على “الحركة التصحيحية”: لا أعترف بورقة مجهولة.. وبيتي من حديد

شبيبة “الأحرار”: خطاب بنكيران رديء وينهل من الشعبوية الغارقة في الانحطاط 

شبيبة “الأحرار”: خطاب بنكيران رديء وينهل من الشعبوية الغارقة في الانحطاط 

مواد أخرى

طقس الأحد | أجواء حارة نسبيا.. وأمطار خفيفة في هذه المناطق

طقس الأحد | أجواء حارة نسبيا.. وأمطار خفيفة في هذه المناطق

وهبي يرد على “الحركة التصحيحية”: لا أعترف بورقة مجهولة.. وبيتي من حديد

وهبي يرد على “الحركة التصحيحية”: لا أعترف بورقة مجهولة.. وبيتي من حديد

شبيبة “الأحرار”: خطاب بنكيران رديء وينهل من الشعبوية الغارقة في الانحطاط 

شبيبة “الأحرار”: خطاب بنكيران رديء وينهل من الشعبوية الغارقة في الانحطاط 

ريال مدريد يحرز كأس الأبطال للمرة 14.. وفينيسيوس يدخل التاريخ

ريال مدريد يحرز كأس الأبطال للمرة 14.. وفينيسيوس يدخل التاريخ

اشباعتو: لا نقبل الضرب في الحكومة من طرف من يبحث عن تبرير طموحه لولاية رابعة

اشباعتو: لا نقبل الضرب في الحكومة من طرف من يبحث عن تبرير طموحه لولاية رابعة

النقابات التعليمية تدعو لتجاوز الاختلالات استعداداً لتنزيل اتفاقها مع الحكومة

النقابات التعليمية تدعو لتجاوز الاختلالات استعداداً لتنزيل اتفاقها مع الحكومة

القناة- 2020-©