القناة من الدار البيضاء
لم يكن بلاغ المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الصادر في 25 غشت 2026، مجرد موقف سياسي عابر من التحولات التي تعرفها خريطة الترشيحات قبيل الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بل حمل اتهامات واضحة بشأن ما وصفه الحزب بـ”الاستمالات والضغوط” التي طالت عددا من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته، قبل أن يسمي ثمانية أسماء، من بينها زينب السيمو وعثمان بادل ومنال بادل، باعتبارهم أسماء أعلن ترشيحها أو سبق أن مارسوا مهام انتدابية باسم التجمع الوطني للأحرار قبل انتقالهم إلى حزب الأصالة والمعاصرة.
بعد أقل من 24 ساعة، جاءت الردود. ثلاثة بلاغات بأسماء مختلفة، ومواقع انتخابية مختلفة، لكن برسالة سياسية تكاد تكون واحدة: لا ضغوط، لا استمالة، وإنما اختيار حر وقناعة سياسية بالانتماء إلى الأصالة والمعاصرة.
هذه الوحدة في المضمون والبناء تطرح سؤالا مشروعا في القراءة الصحفية: هل نحن أمام ثلاث ردود فردية مستقلة، أم أمام سردية تواصلية موحدة صيغت من منبع سياسي أو تحريري مشترك؟
من “الاستمالة” إلى “الاختيار الحر”
بنى حزب التجمع الوطني للأحرار بلاغه على فرضية أساسية مفادها أن انتقال عدد من منتخبيه إلى الأصالة والمعاصرة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد حركية انتخابية طبيعية، بالنظر، وفق رواية الحزب، إلى “تعدد الحالات وتواترها وتقارب الأساليب المعتمدة فيها”.
ولم يكتف البلاغ بالإشارة العامة، بل سمى الأشخاص المعنيين، متحدثا عن “عمليات استمالة وضغوط» تجاوزت، بحسبه، “حدود التنافس السياسي الطبيعي”.
الردود الثلاثة اختارت جميعها تقريبا التعامل مع هذه النقطة باعتبارها جوهر القضية.
عثمان بادل يؤكد أن انتماءه الجديد جاء عن قناعة، ويستند في دفاعه إلى ما يسميه “الانتماء الحزبي الحر” المكفول دستوريا.
منال بادل تقول إن قرارها “لم يكن بشكل من الأشكال نتيجة قرار متسرع أو رغبة آنية”، وتربطه بمراجعة لمسارها السياسي وما تعتبره إخفاقات في تعامل الحزب السابق مع الناخبين والمنتخبين.
أما زينب السيمو، فتذهب إلى النفي الصريح، مؤكدة أن قرارها “لم يكن نتيجة أي ضغط أو إملاء”، وأنها تتحمل كامل مسؤوليته.
وهكذا، ينتقل مركز النقاش من سؤال طرحه الأحرار حول الاستمالة والضغط إلى سؤال آخر تطرحه الردود حول حرية الانتماء والاختيار السياسي.
إنه، من الناحية التواصلية، تغيير واضح لإطار القضية.
الردود لا تنفي الاتهام فقط.. بل تقدم رواية بديلة
اللافت في البلاغات الثلاثة أنها لم تكتف بنفي تعرض أصحابها للضغط.
فلو كان الهدف مجرد تفنيد اتهام الأحرار، لكان من الممكن الاكتفاء بعبارات من قبيل: “لم أتعرض لأي ضغط، وقراري شخصي”.
لكن البلاغات ذهبت أبعد من ذلك، وقدمت تفسيرا سياسيا متكاملا للانتقال.
عثمان بادل يتحدث عن عدم تواصل حزب التجمع الوطني للأحرار معه خلال السنوات الخمس التي قضاها على رأس المجلس الإقليمي لبرشيد، باستثناء لقاءات عامة، وينتقد ما يسميه “التدبير العمودي الفوقي المنفصل عن القواعد”.
منال بادل تتحدث بدورها عن “الإخفاقات” التي تسجلها في تعامل الحزب الذي تغادره مع ناخبيه ومنتخبيه، وعن طريقة تصفها بأنها بعيدة عن “العمل السياسي المستمر المبني على التواصل والقرب”.
وزينب السيمو تقدم اختيارها للأصالة والمعاصرة باعتباره منسجما مع مسارها السياسي، خصوصا في ما يتعلق بالقرب من المواطنين، والدفاع عن قضايا المرأة، والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية.
وبذلك، يتحول الرد من مجرد نفي واقعة إلى تبرير سياسي للترحال السياسي.
المفارقة: اللغة نفسها تقريبا
المقارنة بين مضمون البلاغات تكشف تشابها لافتا في القاموس السياسي المستخدم.
بلاغ الأحرار نفسه يجعل من “القرب من المواطنين” و”الإنصات” و”التواصل” عناوين أساسية لخطابه، ويؤكد أن الثقة السياسية تبنى بالحضور والعمل والقدرة على تقديم الأجوبة.
لكن هذه المفردات نفسها تقريبا تظهر في الردود الثلاثة، وإنما في سياق معاكس.
فمنال بادل تنتقد الحزب السابق بسبب ابتعاده عن “التواصل والقرب”.
وعثمان بادل يقارن بين تجربة تواصله مع الأحرار وبين ما يقول إنه وجده لدى وزراء الأصالة والمعاصرة من قنوات تواصل ومواكبة.
وزينب السيمو تربط خيارها بمسار قائم على “القرب من المواطنات والمواطنين، والإنصات إلى انشغالاتهم”.
هنا لا يعود التشابه مقتصرا على الموضوع، وإنما يظهر اشتغال خطابي على المفردات نفسها التي وردت في البلاغ الأصلي، مع إعادة توجيه دلالاتها.
الأحرار يقول: نحن حزب القرب والتواصل.
والردود تقول، ضمنا: وجدنا القرب والتواصل في الحزب الآخر.
“القيادة الجماعية”.. عبارة تتكرر
من أكثر المؤشرات إثارة للانتباه أيضا حضور عبارة “القيادة الجماعية” في أكثر من بلاغ.
عثمان بادل يتحدث عن “المنهجية التشاركية” التي أبانت عنها القيادة الجماعية للأصالة والمعاصرة، ويجعلها أحد أسباب اقتناعه بالانتقال.
منال بادل تتحدث عن “المنهجية الرصينة التي اعتمدتها القيادة الجماعية طيلة السنوات الأخيرة”.
أما زينب السيمو، فتضع انتقالها في إطار مشروع سياسي ومجتمعي ترى فيه امتدادا لقناعاتها.
إن تكرار هذا المفهوم في نصوص تصدر في السياق نفسه واليوم نفسه، إلى جانب مفردات أخرى مثل “القناعة”، و”القرب”، و”المشروع المجتمعي”، و”خدمة المواطن”، يعزز الانطباع بوجود أرضية خطابية مشتركة.
البلاغات الثلاثة تستعيد مفردات الخصم
ثمة ملمح آخر لا يقل أهمية: الردود تستخدم بعض المفاهيم المركزية التي وردت في بلاغ التجمع الوطني للأحرار، لكنها تقلب اتجاهها.
الأحرار يتحدث عن “قواعد التنافس الديمقراطي السليم”.
زينب السيمو تدعو بدورها إلى “الاحتكام إلى قواعد التنافس الديمقراطي وإرادة الناخبات والناخبين”.
الأحرار يقول إن الانتخابات يجب أن تكون تنافسا حول “البرامج والأفكار والمشاريع السياسية”، وليس “سباقا حول الأشخاص”.
منال بادل ترد بأن “الفوز في المعارك الانتخابية” لا يكون بالبلاغات، وإنما “بالتجاوب مع انتظارات المواطنين، والعمل الميداني الدؤوب، وتقديم الحلول”.
والنتيجة أن البلاغات لا تدخل في مواجهة مباشرة مع اللغة السياسية التي اعتمدها الأحرار، بل تستعير جزءا من قاموسها وتعيد استخدامه للدفاع عن الرواية المقابلة.
ثلاثة أساليب.. ورسالة واحدة
رغم التشابه، لا تبدو النصوص الثلاثة متطابقة في الأسلوب.
بلاغ عثمان بادل هو الأكثر حدة ومواجهة. فهو يتضمن نقدا مباشرا للحزب السابق، ويستحضر تجربته في المجلس الإقليمي، ويقدم مقارنة بين طريقة اشتغال الحزبين.
بلاغ منال بادل أكثر اختصارا، ويعتمد لغة انتخابية واضحة، خصوصا في خاتمته التي تجعل العمل الميداني معيارا للحكم الانتخابي.
أما بلاغ زينب السيمو، فيبدو الأكثر مؤسساتية من حيث البناء، إذ قسم مضمونه إلى خمس نقاط، وانتقل من نفي الضغط إلى الحديث عن المشروع السياسي والاجتماعي للأصالة والمعاصرة، ثم إلى موقع المرأة والعدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية.
ورغم اختلاف الأسلوب ودرجة التفصيل بين البلاغات الثلاثة، فإنها تتقاطع بشكل واضح في بنيتها الحجاجية، إذ تنطلق من نفي تعرض أصحابها لأي ضغط أو استمالة، قبل التأكيد على أن الانتقال إلى حزب الأصالة والمعاصرة جاء نتيجة اختيار سياسي حر وقناعة شخصية، ثم تنتقل إلى إبراز أوجه التباين مع الحزب السابق، سواء من خلال انتقاد طريقة تدبيره أو مستوى التواصل والقرب من المنتخبين والمواطنين، لتنتهي بالتشديد على أن الحسم في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة سيظل بيد الناخبين، من خلال صناديق الاقتراع.
وهذه الوحدة في البناء هي التي تجعل فرضية وجود تنسيق في صياغة الرسائل أكثر حضورا من فرضية المصادفة الكاملة.
محبرة واحدة؟
لا يكمن أهمية التشابه بين البلاغات الثلاثة في احتمال وجود كاتب مشترك بقدر ما تكمن في وجود سردية سياسية مشتركة.
فالنصوص تبدو كأنها ثلاثة أصوات لشخصيات مختلفة، لكنها تتحدث إلى الجمهور من داخل الإطار نفسه: الأصالة والمعاصرة هو خيار القناعة، والانتقال إليه ممارسة مشروعة للحرية السياسية، بينما يعود ضعف التواصل والقرب إلى الحزب السابق.
ومن هذه الزاوية، تبدو البلاغات الثلاثة أقرب إلى “بلاغ مضاد” متعدد الأصوات منه إلى ثلاثة بيانات شخصية منفصلة.
وهذا ربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الواقعة: فبعدما حاول بلاغ المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار وضع أسماء بعينها داخل سردية “الاستمالة والضغط”، جاءت الردود لتضع الأسماء نفسها داخل سردية أخرى عنوانها “الاختيار الحر والقناعة السياسية”.
وبين السرديتين، لا يدور النقاش فقط حول من غادر ومن استقبل، وإنما حول من يملك القدرة على تعريف هذه الانتقالات أمام الرأي العام: هل هي خسارة لمنتخبين بسبب استمالتهم، أم انتقال سياسي مشروع يعكس تحولا في القناعات؟.


تعليق واحد
في نهاية المطاف، المواطن هو من يدفع ثمن هذا الصراع السياسي، لكنه غالبًا لا يرى في كل هذه البلاغات والانتقالات الحزبية أي تغيير حقيقي في حياته اليومية.
تغيير الحزب، وتبادل الاتهامات، والحديث عن «الاختيار الحر» و«القرب من المواطن» و«الإنصات» و«العدالة الاجتماعية»… كلها عبارات جميلة وشعارات رنانة، لكن المواطن البسيط لم يعد يحكم على السياسيين بما يقولونه في البلاغات، وإنما بما يلمسه فعليًا على أرض الواقع.
بالنسبة للمواطن، لا شيء سيتغير ما لم تتغير الممارسة السياسية نفسها: نفس الوجوه، نفس الخطابات، نفس الوعود، ونفس النتائج. وكما يقول المثل: «ليس في القنافذ أملس».
المشكلة الحقيقية ليست في انتقال منتخب من حزب إلى آخر، ولا في معرفة من استمال من، بل في السؤال الأهم: ماذا سيقدم هؤلاء للمواطن بعد الانتخابات؟
أين الحلول الملموسة؟ أين فرص الشغل؟ أين تحسين التعليم والصحة والنقل والخدمات؟ وأين هي المحاسبة على الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ؟
المواطن لم يعد يبحث عن «بلاغ مضاد» ولا عن حزب ينتصر على حزب في معركة التواصل؛ بل يريد أن يرى نتائج حقيقية، ومشاريع ملموسة، ومسؤولين يلتزمون بما وعدوا به.
لقد سمع المواطن ما يكفي من الشعارات والوعود، حتى أصبحت الثقة في الخطاب السياسي تتآكل يومًا بعد يوم، وأصبح الكثيرون ينظرون إلى مختلف الأحزاب، دون استثناء، بعين الشك والريبة.
فهل ترى اليوم، في الساحة السياسية، حزبًا واحدًا قادرًا على استعادة ثقة المواطن والوفاء بوعوده وتحويل شعاراته إلى أفعال ملموسة على أرض الواقع؟ أم أن المواطن فقد ثقته في جميع الأحزاب، دون استثناء، ولم يعد ينتظر سوى أن تثبت الأفعال عكس ما اعتاد سماعه من وعود؟