القناة من الدار البيضاء
اعتبر أستاذ العلاقات الدولية عبد الفتاح نعوم أن الأحداث الأخيرة المرتبطة بمحاولات العبور نحو سبتة ومليلية وضعت رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أمام ضغوط متزايدة من اليمين الإسباني والأوروبي، مشيرا إلى أن النقاش في إسبانيا انصرف نحو قضايا السيادة والأمن والهجرة، في وقت بقيت فيه وزارة الداخلية الإسبانية، بحسب تعبيره، الجهة الوحيدة التي تناولت القضية في إطار العلاقات المغربية الإسبانية وارتباطها بملف الهجرة.
وقال نعوم إن شبكات الاتجار بالبشر تستغل هشاشة الشباب الراغب في الهجرة، معتبرا أن مأساتهم تُستثمر أيضا في السجالات السياسية والإعلامية، في وقت تعترف فيه المؤسسات المغربية، بحسب قوله، بوجود تحديات اجتماعية واقتصادية رغم ما تحققه البلاد من مؤشرات اقتصادية ودبلوماسية وأمنية.
ورأى أن جذور الأزمة تعود إلى تعديلات قانونية أقرتها الحكومة الإسبانية، من بينها المرسوم رقم 316/2026 المعدل للمرسوم الملكي 1155/2024، والذي منح إمكانية الحصول على تصريح إقامة مؤقت لفئات من الأجانب الموجودين في إسبانيا قبل فاتح يناير 2026، سواء كانوا في وضعية غير نظامية أو تقدموا بطلبات للحماية الدولية، مع تحديد مهلة لتقديم الطلبات انتهت في 30 يونيو الماضي.
وأضاف أن الحكومة الإسبانية كانت قد قدرت عدد المستفيدين من هذا الإجراء بنحو 500 ألف شخص، قبل أن تعلن لاحقا تلقي أكثر من 1.17 مليون طلب، ومعالجة أكثر من 609 آلاف ملف، مشيرا إلى أن ذلك تزامن مع صدور حكم قضائي رفع قيود الإعادة الفورية للمهاجرين غير النظاميين الذين يدخلون إسبانيا بحرا.
وأشار نعوم إلى أن هذه التطورات رافقتها حملة إعلامية تناولت قصص نجاح مهاجرين، إلى جانب انتشار واسع لمحتويات على وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل تدعو إلى الهجرة غير النظامية، معتبرا أن الحكومة الإسبانية اختزلت لاحقا أسباب الأزمة في استغلال شبكات الاتجار بالبشر للحكم القضائي، وهو ما رأى أنه لا يعكس، بحسب تقديره، الأسباب الأساسية للأحداث.
وفي قراءته للبعد الاجتماعي، اعتبر نعوم أن انتشار الإشاعات عبر الفضاء الرقمي وما وصفه بـ”عدوى القطيع” أسهما في دفع أعداد كبيرة إلى محاولة العبور، إلى جانب وجود دوافع اجتماعية ونفسية مرتبطة بالهجرة، مؤكدا أن تأثير المنصات الرقمية بات عاملا رئيسيا في مثل هذه الأحداث.
ووصف ما جرى بأنه اختبار أمني للمغرب وإسبانيا في كيفية التعامل مع حشود كبيرة مع تقليل الخسائر البشرية، معتبرا أن أي تدخل أمني مختلف كان قد يؤدي، بحسب تقديره، إلى نتائج أكثر خطورة.
كما اعتبر أن الفضاء الرقمي أصبح عاملا مؤثرا خارج نطاق السيطرة المباشرة للدول، لافتا إلى أن اقتصاد جذب الانتباه وانتشار المحتوى الرقمي ساهما في تضخيم الحدث، إلى جانب تغطيات إعلامية بثتها وسائل إعلام إسبانية ومحتويات انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي.
ورفض نعوم تفسير الأحداث باعتبارها “مؤامرة” تقودها أطراف خارجية، معتبرا أن قراءة الأزمة تقتضي، وفق طرحه، ربطها بتسلسل الوقائع وبالقرارات السياسية الإسبانية والدوافع الاجتماعية وتأثير الفضاء الرقمي.
وأضاف أن حكومة سانشيز حاولت، بحسب رأيه، تحميل المسؤولية للقضاء الإسباني وشبكات الهجرة غير النظامية والفضاء الرقمي، بينما وجهت أصوات داخل الحكومة الإسبانية لاحقا المسؤولية إلى المغرب، معتبرا أن المسؤولية تقع على عاتق مختلف الفاعلين السياسيين في إسبانيا.
وفي الشق المتعلق بالعلاقات المغربية الإسبانية، قال نعوم إن الأحداث أعادت النقاش حول مستقبل سبتة ومليلية، مشيرا إلى أن سانشيز أكد خلال دفاعه عن موقف حكومته أن المدينتين لا يشملهما نظام شنغن، وهو ما اعتبره دليلا على خصوصية وضعهما القانوني.
وختم نعوم بالقول إن معالجة هذه الإشكالات تقتضي، في نظره، حلولا سياسية وقانونية واقتصادية قائمة على التفاهم بين المغرب وإسبانيا، مع اعتماد مقاربة مشتركة لمعالجة التحديات الاجتماعية والتنموية التي تغذي ظاهرة الهجرة غير النظامية.

