القناة: أسامة الطنجاوي
قد يبدو العنوان صادما، إلا ان المقصود به ليس التهكم على أية حال، بقدر ماهو مساءلة لحالة مغربية فريدة تنظر بعين المسؤولين إلى حدث إنتحار رجل للسلطة من درجة باشا، على أنه حدث عادي وعابر، في حين أنه مؤشر غير مطمئن على حال هاته الفئة الظالمة لدى غيرها، والمظلومة في نفسها، فكيف ذلك ؟؟
- ظلم وظيفي أم وظيفة ظالمة؟؟
إن الحديث عن ممارسة مهنة “السلطة” بالمغرب، يغوص بنا في المدخلات الوظيفية لرجالها بدءا من تكوينهم بالمعهد الملكي للإدارة الترابية، والذي يمزج بين ماهو مدني وعسكري باعتبارهم ضباطا للشرطة القضائية، وممارسين ميدانيين لعمل الإدارة بما فيها الشواهد الإدارية وغيرها من حوائج المواطنين المرتبطة بمؤسسة “القايد”
إن رجال السلطة ـ الذين صار الواحد منهم ينتحر شنقا ـ ملزمين بالخضوع لأماكن تعيينهم وانتقالهم وهو ما يطرح تبعات إجتماعية مرهونة بالتشتت الأسري وتغيير مقرات السكنى والعمل واخضاع عائلاتهم لهذا الترحال القسري الذي لا يتحملون وزره إلا لكون معيل أسرتهم موظف من درجة “قائد”
كما يلزم رجال السلطة بالعمل 24 ساعة، أي أن هاتفهم الوظيفي يستوجب أن يبقى تحت التغطية طوال النهار والليل للتدخل في أي طارئ، وهو ما يجعل أداء مهاهم تتعدى حدود المنطق والواقع، فكيف لرجال السلطة أن يقضوا حوائج المواطنين من وثائق، والتواجد في الميدان مع تحمل مسؤولية أي بناء غير قانوني والإشراف على هدمه، وتحرير الملك العمومي والدخول في مناوشات مع الباعة المتجولين أو محتلي هذا الملك، وأحيانا يتدخلون حتى في مجالات مرتبطة بالنظافة أو الإنارة ـ بالرغم من كونها من اختصاصات المنتخبين ذي الخلفية السياسية.
وبالرغم من كون هذا الجهاز، الذي تتفنن مواقع الإعلام في رصد وتفخيم بعض من أخطاء رجالاته، تحقيقا لنزعة الإنتقام من التمثلات التاريخية “للقياد”، غير أن مسائلة الوضعية المهنية لهؤلاء ومحاولة بسط الأسباب الحقيقية تبقى بعيدة عن الخرجات الإعلامية المتداولة، ويبقى واقع الحال يعكس حرمان أبناء هذا الجهاز من حقهم في العطلة السنوية ـ كما هو الشأن لقياد مدينة طنجة ـ في مقابل غياب أي مكافئة أو تحفيز أو حتى تنويه من الوزارة المعنية.
إن تعامل وزارة الداخلية مع رجالاتها مقرون بشيء واحد أوحد، هو سرعة توقيع الجزاءات التأديبية، فأن تكون رجل سلطة بالمغرب يعني أن تكون كاملا بلا أخطاء، حيث غالبا ما تختار الوزارة لغة التهديد والتوبيخ والوعيد دون لغة التحفيزات أو التنويه، كما أن غياب معايير واضحة في الترقيات يبقي نوعا من “الخلل” الإداري داخل الجهاز الترابي، و تبقى الخطة الوحيدة لضمان “اخراج السربيس على الخير” هو مسايرة مزاجية المسؤول الأعلى أو المباشر من جهة، أو الخروج لإختيار من “السربيس” شنقا ..

