القناة : رشيد الحاحي
هل الأمازيغية مسؤولية وطنية، فعلا؟
لا يمكن أن يظل اعتبار الأمازيغية “مسؤولية وطنية” إلى الأبد مجرد شعار وهاجس سياسي ووحدوي وثقافوي جاف، بل يتطلب ذلك تحوله إلى ممارسة سياسية وقانونية ومؤسساتية وثقافية ملموسة ومنتجة ومطورة للوضع القائم.
على المستوى النظري والإطار الثقافي والحقوقي والسياسي العام، نعم يجب أن تكون الأمازيغية كذلك، مسؤولية الجميع، فهي ليست قضية عرقية ولا فئوية ولا لسنية بسيطة أو محدودة المجال الترابي والأثر والمعنيين، بل هي قضية إطار حضاري وثقافي وبناء وتصحيح مقومات الهوية الوطنية والشخصية الفردية والجماعية لشعب، الشعب المغربي.
لكن عمليا، أي من خلال العمل على تصريف وتحقيق هذا التصور الإنسي والثقافي العميق، أي على مستوى النهوض بهذه المسؤولية فعلا، وهي اعتبار النهوض بالأمازيغية مسؤولية جميع المغاربة بدون استثناء، هل يتم ذلك ويضطلع جلنا، على الأقل جل المتواجدين في مواقع المسؤولية والتشريع والتدبير بذلك كما ينبغي، دون مقاومات وردود مضادة واختيارات مناقضة ووعي زائف؟
لكم في النقاش الدستوري والصراع الثقافي والإيديولوجي الذي واكبه، والعمل الشاق الذي بدله الأمازيغ من أجل انتزاع ترسيم الأمازيغية والإقرار بتعدد مكونات الهوية الوطنية وفي صلبها الأمازيغية سن 2011، تم بعد ذلك في “التجرجير” والتهريب المفضوح لصياغة القانونين التنظيميين لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وإحداث المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وما تمخض عن ذلك من مشروعي قانونين نكوصيين وتمييزيين، خير دليل.
فالإطارات والجمعيات والمنظمات الأمازيغية التي ناضلت وعملت من أجل الأمازيغية مند نصف قرن، واستطاعت أن تقنع بمشروعية مطلبها اللغوي والثقافي والهوياتي في سياق البناء الحقوقي والديمقراطي الوطني، كما استطاعت أن تجعل من مطلب ترسيم الأمازيغية مطلبا شعبيا وأن تنتزع ترسيمها في دستور 2011، بل أن تواكب هذا المقتضى الدستوري على امتداد خمس سنوات الماضية بالإنتاج والاقتراح والترافع فطنا منها بضرورة تحقيق الإنصاف وإمكانيات التحايل وإفراغه من مضمونه السياسي والقانوني، ليست إطارات “كلاسكية” ولا تدعي احتكارها للأمازيغية كما يعتقد مخطأ البعض، لكن واقع الحال والممارسة السياسية والحقوقية والفعل المدني والثقافي…، تؤكد أنها الفاعل الرئيسي وربما الوحيد حتى إشعار آخر، يبدو أنه سيطول ويتأخر كثيرا بعد أن أكدت خمس سنوات الماضية كل تخوفات الأمازيغ وتوجساتهم الموضوعية.
فمادا يعني الأمازيغية ملك لمن يعمل من أجلها؟
كان هذا عنوان الميثاق الصادر عن المناظرة الوطنية الأولى للحركة الأمازيغية التي انعقدت ببوزنيقا يومي 9 و10 يناير 2016، والتي نظمتها كل من الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة ومنظمة تماينوت والتنسيق الوطني الأمازيغي، بعد ندوات دراسية ونقاش مستفيض حول وضعية الأمازيغية وأشكال تعاطي الحكومة والدولة مع الشأن الأمازيغي وقوانينها التنظيمية بعد طول انتظار وانفضاح خيار الاستفراد والاختزال والتعويم -والذي كان لنا شرف صياغة مشروعه وأرضيته-، وكما يتضح ذلك من تأكيد الميثاق على أن « الأمازيغية ملك للمدافعين عنها والعاملين والمنتجين بها ومن أجلها »، والقادرين على مصاحبة تنامي هذا الوعي وتجسيده في ممارسات مؤسساتية ملموسة، والعمل على حماية هذا المسار وتعميقه وإرسائه القانوني والمؤسساتي والعلمي.
الأمازيغية ليست مجرد حساسية سياسية وحقوقية وثقافية أكدت مشروعيتها الاجتماعية في المجتمع المغربي ومسار البناء والنقاش الديمقراطي، وتتطلب التعاطي معها بكل تجرد ونزاهة فكرية وحس مواطنتي، بل هي أيضا لغة وثقافة في حاجة ماسة إلى تمكينها قانونيا ومؤسساتيا، ومجالات ترابية وساكنة ومواطنين ومواطنات يعانون التهميش الاقتصادي والاجتماعي وفي بعض المناطق من الحرمان التام.
لكي تكون الأمازيغية فعلا مسؤولية وطنية ومسؤولية الجميع، يجب أن يعمل من أجلها الجميع، أي أن يقدم كل حزب سياسي وإطار نقابي وتنظيم وجمعية ومسؤول ومنتخب وموظف وعامل وفلاح وطالب ومواطن…شيئا ما من أجل الأمازيغية، أي من أجل أمازيغيته، سواء سياسيا وتشريعيا وثقافيا أو حقوقيا أو فكريا أو تربويا أو فنيا أو أدبيا…، وأضعف الإيمان نفسيا ووجدانيا عبر الاعتزاز بها وتحدثها وتعلمها والتخلص من كل امتعاض ومن ترسبات الماضي اتجاهها.

