القناة من الرباط
اعتبر وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن معالجة ملف الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا لم تعد تحتمل استمرار السياسات المتباينة، داعيا إلى وضع سياسة مشتركة ومنسقة تحدد المسؤوليات والمساطر القانونية، وتضمن تحمل مختلف الأطراف للكلفة البشرية والاقتصادية والاجتماعية للظاهرة.
وأوضح وهبي، في تصريحات إعلامية، أن الإشكالات المرتبطة بالهجرة غير النظامية ليست جديدة، مشيرا إلى أن النقاش بشأنها بين الرباط ومدريد يعود إلى سنة أو سنتين، بعدما نبه المغرب إلى أن بعض التسهيلات القانونية والمؤسساتية المقدمة للمهاجرين غير النظاميين في إسبانيا قد تتعارض مع الجهود التي تبذلها المملكة للحد من الظاهرة.
وأكد الوزير أن المغرب سبق أن أوضح لشركائه الإسبان أن التصدي للهجرة غير النظامية لا يمكن أن ينجح دون تنسيق مشترك، متسائلا عن جدوى منع المغرب لمحاولات الهجرة، في وقت قد يحصل فيه من يصل إلى الأراضي الإسبانية على وضعية قانونية أو يستفيد من إجراءات للتسوية أو اللجوء.
وشدد وهبي على أن الهجرة ينبغي أن تتم عبر قنوات رسمية ومنظمة، معتبرا أن تجاوز هذه القنوات يفتح الباب أمام إشكالات متعددة، من بينها الاتجار بالبشر والاستغلال الجنسي للأطفال والفتيات، فضلا عن نشاط الشبكات الإجرامية التي تستغل الراغبين في الهجرة.
وفي ما يتعلق بالقاصرين، أوضح وزير العدل أن المغرب لا ينظر إليهم باعتبارهم “متهمين بالهجرة غير النظامية”، وإنما باعتبارهم أطفالا وضحايا للتغرير والاستغلال، مؤكدا أن المملكة متمسكة بحمايتهم وبإعادتهم إلى المغرب باعتباره مكانهم الطبيعي داخل أسرهم ومجتمعهم.
ونفى وهبي أن يكون المغرب قد تعامل مع ملف الهجرة بمنطق الابتزاز، مؤكدا أن المملكة تتحرك وفق إمكاناتها، دفاعا عن سيادتها وسياساتها الخارجية ومصالحها الوطنية، وأنها سبق أن نبهت إلى أن بعض السياسات الأوروبية قد تخلق إشكالات بالنسبة إليها، ودعت في المقابل إلى التعاون لمعالجتها.
وأكد الوزير أن العلاقات المغربية الإسبانية “جيدة”، وأن التعاون مع الاتحاد الأوروبي يظل مهما بالنسبة للمملكة، خصوصا على المستوى الاقتصادي والتجاري، مشيرا إلى أن المغرب حريص على الاستفادة من علاقاته الدولية ومن إمكاناته ومنتوجاته للولوج إلى أسواق مختلفة، دون الاقتصار على السوق الأوروبية.
وفي المقابل، انتقد وهبي ما وصفه بالانتقائية في بعض السياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة، مشيرا إلى أن دولا أوروبية تستقطب الأطباء والمهندسين والشباب في المهن التي تحتاج إليها، بينما تتعامل بصورة مختلفة مع فئات أخرى من المهاجرين.
وقال إن المغرب يستثمر في تكوين أبنائه في مجالات الطب والهندسة والرقمنة وغيرها، لكنه لا يستطيع منعهم من الهجرة، باعتبارها حقا دستوريا وإنسانيا، داعيا في المقابل إلى تنظيم هذه العملية وفتح قنوات قانونية وآمنة ومضبوطة للهجرة.
وأشار وزير العدل إلى أن المغرب عزز تعاونه مع عدد من الدول الأوروبية في مجال مكافحة الاتجار بالبشر ومحاربة التنظيمات والعصابات التي تنشط في هذا المجال، مبرزا أن الظاهرة لا تقتصر على منطقة البحر الأبيض المتوسط، بل تمتد أيضا إلى المحيط الأطلسي.
وفي هذا السياق، استحضر وهبي التوجيهات الملكية المتعلقة بخلق تحالف دولي في منطقة المحيط الأطلسي لمواجهة شبكات الاتجار بالبشر ونقل الأشخاص عبر المحيط.
وبخصوص سبتة ومليلية، أكد وزير العدل أن المغرب يتعامل مع الملف بـ”نفس طويل”، متمسكا بالحوار لمعالجة الإشكالات القائمة، ومشددا على أن تطوير المناطق الشمالية وتحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية يدخل ضمن الخيارات الوطنية والسيادية للمملكة.
وأوضح أن المغرب ضخ استثمارات في المدن المحاذية لسبتة ومليلية، معتبرا أن تطوير المنطقة الشمالية وتحويلها إلى وجهة للسياحة الوطنية والدولية حق وطني يندرج ضمن ممارسة السيادة.
كما شدد على أن المملكة لا يمكن أن تقبل باستمرار التهريب، بالنظر إلى ما قد يرتبط به من أنشطة إجرامية أخرى، مؤكدا أن الإجراءات المتخذة في هذا المجال تستند إلى قوانين وضعتها المملكة منذ سنوات، وليست مرتبطة فقط بالتطورات الحالية.
وفي ما يخص القاصرين المغاربة الموجودين في أوروبا، أكد وهبي أن المغرب «لا يمكن أن يتنازل عن أطفاله»، وأنه يطالب بإعادتهم إلى المملكة من أجل حمايتهم وتربيتهم داخل أسرهم ووفق القيم والثقافة المغربية.
وختم وزير العدل بالتأكيد على أن المغرب يريد مواصلة التعاون مع إسبانيا والدول الأوروبية، لكن على أساس احترام خصوصية المجتمع والأسرة المغربية، داعيا إلى حوار جدي يفضي إلى سياسة مشتركة ومنسقة، تتضمن مساطر واضحة ومتفقا عليها مسبقا، بما يسمح بمعالجة ملف الهجرة غير النظامية بشكل أكثر فعالية، وصولا إلى إنهائه بصورة نهائية.

