القناة من الدار البيضاء
في الوقت الذي يرفع فيه الأمين العام لحزب الاستقلال، نزار بركة، سقف الخطاب السياسي في تجمعات الحزب ولقاءاته مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، ملوحا بإمكانية اتخاذ “قرارات جريئة” لحماية القدرة الشرائية للمغاربة، تكشف الممارسة المؤسساتية داخل البرلمان عن معطيات مغايرة تثير أسئلة حول مدى انسجام الخطاب مع الفعل السياسي.
فبركة، الذي يؤكد في أكثر من مناسبة أن ما يسميه “تدهور القدرة الشرائية” ناتج عن اختلالات بنيوية في سلاسل التوزيع وتعدد الوسطاء وارتفاع هوامش الربح، كان قد شدد على أن معالجة هذه الوضعية تستوجب تدخلا حازما للدولة، ومحاربة المضاربة، وتعزيز الرقابة على الأسواق، بل والدفع نحو نماذج أكثر عدالة في توزيع القيمة بين المنتج والمستهلك.
كما لم يتردد في عرض ملامح “تعاقد سياسي جديد” لحزب الاستقلال، يقوم على التزام واضح بحماية القدرة الشرائية، ومواجهة الريع والمضاربة، وتكريس “صفر تسامح” مع الاحتكار وتضارب المصالح، إلى جانب تعزيز السيادة الاقتصادية والغذائية للمملكة.
غير أن هذا الخطاب، الذي يقدم في سياق تعبئة سياسية تسبق الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يواجه قراءات نقدية في ضوء مواقف مؤسساتية مرتبطة بالذراع النقابي للحزب داخل البرلمان.
ففي مجلس المستشارين، صوت فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابي لحزب الاستقلال، ضد مقترحي قانون يهمان تسقيف أسعار المحروقات من جهة، وتفويت أصول شركة “لاسامير” لفائدة الدولة من جهة ثانية، وهما مقترحان كانا يقدمان باعتبارهما آليتين مباشرتين للتخفيف من أثر تقلبات السوق وحماية الأمن الطاقي الوطني.
هذا التصويت، الذي جاء في سياق نقاش برلماني حول سبل الحد من ارتفاع أسعار المحروقات وإعادة الاعتبار لرافعة تكرير وطنية استراتيجية، فتح الباب أمام تساؤلات حول حدود التباين بين الخطاب السياسي الموجه للرأي العام، والمواقف الفعلية داخل المؤسسات التشريعية.
وبينما يقدم الحزب نفسه في واجهته السياسية كمدافع عن الطبقة المتوسطة والأجراء، يلاحظ أن مواقف ذراعه النقابي في لحظات تشريعية حاسمة لا تعكس دائما نفس سقف الالتزام المعلن في الخطابات الرسمية، خصوصا حين يتعلق الأمر بإجراءات تنظيمية مباشرة تمس سوق المحروقات أو قضايا السيادة الطاقية.
ويعيد هذا التباين إحياء النقاش حول الفجوة بين الوعود الانتخابية والممارسة السياسية، في سياق يتسم بارتفاع منسوب الضغط الاجتماعي المرتبط بالأسعار، وتزايد المطالب بتدخل أقوى للدولة لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية.
وفي ظل هذا السياق، يبدو أن اختبار المصداقية السياسية لا يمر فقط عبر الشعارات المرفوعة في المنصات الخطابية، بل أيضا عبر المواقف الفعلية داخل المؤسسات المنتخبة، حيث تترجم الالتزامات إلى التصويت والقرارات الملموسة، تكشف في النهاية حدود التوافق بين القول والفعل.

