القناة من الرباط
في السياسة، قد يكون من السهل التنصل من الإخفاقات عندما تقترب الانتخابات، لكن الأصعب هو تفسير الموقف من النجاحات التي تتحدث عنها الأرقام الرسمية بوضوح.
وهذا بالضبط هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد تصريحات فوزي لقجع في خرجة له على منصة “يوتيوب”، والتي بدا من خلالها وكأنه يضع مسافة بين نفسه وبين حصيلة حكومة عزيز أخنوش، في محاولة لتقديم قراءة انتقائية لخمس سنوات من التدبير الحكومي.
لكن إذا كان لقجع قد اختار التبرؤ من الحصيلة السياسية للحكومة، فهل يشمل ذلك أيضا الأرقام الإيجابية وغير المسبوقة التي حققتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة، والتي تمنها جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش الأخير؟ أم أن منطق التبرؤ يتوقف فقط عند الإخفاقات، بينما تتحول النجاحات إلى إنجازات يمكن نسبها إلى الجميع؟
الجواب لا يمكن أن يكون سياسيا فقط، لأن الأرقام أصبحت اليوم جزءا أساسيا من النقاش العمومي، وهي أرقام صادرة عن مؤسسات رسمية وطنية، وعلى رأسها بنك المغرب والمندوبية السامية للتخطيط، ووزارة الاقتصاد والمالية التي يشغل فيها لقجع وزيرا منتدبا مكلفا بالميزانية.
فعلى مستوى النمو الاقتصادي، انتقل المغرب من نسبة نمو سلبية بلغت ناقص 7.2 سنة 2020، لتصل إلى 4.9 في المائة سنة 2025، مع توقعات رسمية تتجاوز 5 في المائة في نهاية السنة الجارية. فهل يتبرأ لقجع من هذه الأرقام أيضا؟
وفي سوق الشغل، الذي ظل أحد أكبر التحديات خلال السنوات الماضية، سجل معدل البطالة خلال الفصل الثاني من سنة 2026 انخفاضا إلى 9,5 في المائة، لينزل لأول مرة منذ سنوات تحت عتبة 10 في المائة.
أما التضخم، الذي شكل أحد أكبر مصادر الضغط على الأسر المغربية في بداية الولاية الحكومية، فقد انتقل من مستويات بلغت 6,6 في المائة سنة 2022 و6,1 في المائة سنة 2023، إلى حوالي 1 في المائة خلال سنتي 2024 و2025، قبل أن ينخفض متوسطه خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026 إلى 0,3 في المائة فقط. فهل هذه المؤشرات أيضا يتبرأ منها فوزي لقجع؟
الأرقام المتعلقة بالمالية العمومية لا تقل دلالة. فقد تراجع عجز الميزانية من 5,1 في المائة من الناتج الداخلي الخام سنة 2022 إلى 3,5 في المائة سنة 2025، كما انخفضت مديونية الخزينة من 71,4 في المائة إلى 66,6 في المائة خلال الفترة نفسها.
وفي قطاع السياحة، تبدو الصورة أكثر وضوحا. فقد انتقل عدد السياح الوافدين إلى المغرب من 10,9 ملايين سنة 2022 إلى 19,8 مليون سنة 2025، أي بارتفاع يقارب 82 في المائة، فيما ارتفعت مداخيل السياحة من 93,9 مليار درهم إلى 138,6 مليار درهم.
والدينامية استمرت خلال سنة 2026، حيث استقبل المغرب 9,4 ملايين سائح خلال النصف الأول من السنة، فيما بلغت عائدات السياحة إلى نهاية يوليوز 79 مليار درهم، بزيادة بلغت 13,4 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
أما تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، فقد انتقلت من 110,8 مليار درهم سنة 2022 إلى 122 مليار درهم سنة 2025، قبل أن تصل إلى 74,8 مليار درهم خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026، مقابل 69,2 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وفي ما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية المباشرة، فقد سجلت بدورها قفزة قوية، حيث بلغ صافي تدفقاتها خلال الأشهر السبعة الأولى من سنة 2026 حوالي 29,5 مليار درهم، مقابل 18,6 مليار درهم خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بارتفاع تجاوز 58 في المائة.
هنا يصبح السؤال مشروعا: عندما كانت المؤشرات الاقتصادية صعبة، هل كانت تلك مسؤولية حكومة أخنوش وحدها؟ وعندما تتحسن المؤشرات، هل تصبح فجأة نتيجة عوامل خارجية أو مجهودات لا علاقة للحكومة بها؟
وهنا يبدو أن لقجع نسي أنه في السياسة لا يمكن أن نمارس الانتقائية في توزيع المسؤوليات. فمن يريد التبرؤ من الحكومة عليه أن يكون منسجما مع نفسه، وأن يتبرأ من كل ما حققته، لا أن يختار من الحصيلة ما يناسب الخطاب الانتخابي ويتجاهل ما لا يخدمه.
فالصورة التي ترسمها الأرقام الرسمية اليوم تقول إن عددا من المؤشرات التي كانت في المنطقة الحمراء في بداية الولاية، انتقلت تدريجيا إلى مؤشرات أكثر إيجابية: النمو يرتفع، التضخم يتراجع، البطالة تنخفض تحت عتبة 10 في المائة، عجز الميزانية يتقلص، المديونية تتراجع، السياحة تحقق أرقاما قياسية، تحويلات مغاربة العالم ترتفع، والاستثمارات الأجنبية تسجل دينامية قوية.
لذلك، فإن السؤال الموجه إلى فوزي لقجع لا يتعلق فقط بما إذا كان يتبرأ من حكومة أخنوش، بل بمدى استعداده لتحمل منطق موقفه كاملا: هل يتبرأ من الإخفاقات فقط؟ أم يتبرأ أيضا من النجاحات؟.

