القناة : متابعة
لم أكن أتصوّر أن تزخر مدينة مدريد بهذا الكمّ الهائل من المصطلحات المنسوبة للمعجم العربي، لكنه شيء طبيعي، فما الذي كانت تملكه إسبانيا خلال القرون الوسطى لتتباهى به ؟ هذا ما كان يجول بخاطري و أنا أتأمّل باب القلعة puerta alcalaa بإسمها العربي و معمارها الشامي و هندستها الدمشقية الساحرة، سحرها جعل اليونيسكو تصنّف هاته البوابة كإرث عالمي لا يحق لكائن كان أن يَمَسَّه، فمن أين لهم بمهندس شامي يصمّم لهم باباً كهاته؟
بباب القلعة جلسنا نرتشف نسيم حضارتنا و عبق تاريخنا، بباب القلعة جلسنا نرتوي من جمال إبداعاتنا و روعة صنع أيادينا، بباب القلعة باغتتنا باب الفحص و باب البحر و أسوار المدينة القديمة لطنجة التي إستوطن بأهم مآثرها التاريخية أطفال في عُمر الزهور يدسّون سموم المخدرات في أجسامهم النحيلة بدون رحمة، هرباً من واقعهم المرير، أ كان من الضروري أن نستحضر هاته المقارنة الجاحفة في حقّ مسقط رأسنا و مرتع طفولتنا ؟ أ كان من الضروري أن نقلب رحلة سياحية لأوروبا إلى مشهد درامي ينغص حياتنا اليومية و ينغص حتى أيام إجازاتنا ؟
طبعاً يا شُعيب، ذاكرتنا تفيض بمشاهد كهاته، ذاكرتنا كالحليب تغلي حين نضعها في إناء آخر فوق نار وطن غريب، فتفيض الذكريات منه كرغوة ناعمة تحرق الأيادي و القلوب..
هناك إحساس غريب يُباغتك حين يقتُلك الواقع، فتغدو روحك مثقوبة كجدران المُدُن الأثرية القديمة، و لا دواء لك -و أنت في مدريد- سوى حدائق أو منتزه retiro, حقيقةً لا زلت لا أستطيع الجزم أ منتزه هو أم غابة بهيّة في قلب مدريد، و كأنه رئة تمنح أوكسجين الحياة للعاصمة و تمتص غضب سكّانها و ثاني أوكسيد كربونهم، منتزه طويل عريض أخذ منّا نصف يومٍ تقريباً لزيارته، تُهنا بأي مكانٍ نستمتع، أ بالبِركة التي تُزيّنها القوارب الصغيرة، أم بالحدائق العجيبة الجميلة، أم بالقصر الكرسطالي الذي يتوسط المنتزة، أم بما يُشبه الغابات من أشجارٍ و نباتات تردّ الروح لمكانها..
رئة مدريد هاته تمتدّ على مساحة تفوق 125 هكتار، و أبرز مكان للاستجمام و الإسترخاء و ممارسة الرياضة في جوٍّ غابويٍّ بقلب المدينة، عند نهاية جولتنا بها، سمعنا صوت معزوفة النشيد الوطني المغربي تباغتنا من الخلف تُعزف على الكمان، إلتفتّ إلى شُعيب فوجدته يبادلني نفس علامات الإستفهام المرسومة بدهشة على محيّاه، إستدرنا خلفنا فوجدنا رجلاً خمسينياً بمنتزه Retiro بقلب العاصمة الإسبانية مدريد ينسج بأصابعه يَدَيْه النشيد الوطني المغرب، توجّهنا نحو فقال :
كيف جاتكوم ؟
سؤاله هذا كان مفتاح الدخول في دردشة طويلة، فالرجل ابن مدينة تطوان، فنّان و مبدع رمته الغربة في حضن ما تجود به أيادي السيّاح الذين يقدّرون فنّه.
بباب الفندق إلتقينا شابّتين و ثلاث شباب يفترشون الأرض متجاذبين أطراف الحديث من موضوع لآخر، ألقينا عليهم التحيّة و أقحمونا في نقاشهم، و فجأة ! علّق شاب إسباني يعمل بإستقبالات الفندق قائلاً :
ألم تلاحظوا أن كلاّ منكم يمثّل قارّة معيّنة ؟
إلتفتنا إلى بعض و نحن نسأل بَعضنا البعض : من أي بلد أنت ؟
فتبيّن أن أوروبا ممثلة في إنجليزية من لندن.
و أستراليا ممثلة بأستراليا من سيدني.
و آسيا بكورية جنوبية مِن سيول.
و أمريكا اللاتينية بأرجنتيني من بوينس آيرس.
و نحن نمثّل القارة الإفريقية كمغاربة من مدينة طنجة.
كانت مدريد فأل خير بإلتقاطنا تلك الصورة، فمن يعلم لربما سمحت لنا الحياة بزيارة لكل تلك القارّات و كانت مدريد هي مفتاحها.

