ربط المسؤولية بالمحاسبة
مناط السلطة الحرية، والسلطة مشروطة بتحقيق العدل، ومفهوم العدل يقتضي تمكين الأفراد من الحقوق والحريات وتسهيل قيامهم بالتكاليف و الواجبات الملقاة على كواهلهم، وهو بنفس الأن الموازنة بين المسؤولية والمحاسبة التي هي مناط السلطة.
فمنذ وجدت البشرية و الجزاء يقاس على خطورة الفعل المأتي، تحقيقا للعدالة. والمسؤولية والجزاء في حقل إدارة المال العام أحد الأسس المهمة التي لا تقوم أي منظومة قانونية بدونها، فما دام الإنسان يمتلك حرية إرادة، فهذا يعني أن هناك مسؤولية ملقاة على عاتقه، وهذه المسؤولية يتلوها جزاء. وما يتوجب التأكيد عليه هنا، أنه إذا كانت إرادة حرة فهذا يعني وجود مسؤولية، بمعنى أن الإنسان مادام له حرية في إختيار توجهاته وإنتمائه السياسي أو توجه إرادته نحو الإنخراط في تحمل مسؤولية إدارة مرفق عام أو عهد له مسؤولية تكليف عمومي، ما هو إلا ايمانا منه بوجود مسؤولية مترتبة على هذه الحرية، هذه الأخيرة مفادها في سياق المسألة والمحاسبة القدرة على الإختيار وعلى المفاضلة بين القبول أو العدول عن هذه المسؤولية، كما تعني شعور الفرد بقيمته و أهليته لتحمل نتائج أفعاله، بخلاف الشخص المقيد فإنه لنفسه القدرة في عدم إمكانية الوفاء بإلتزماته وعدم مسؤولية عن ذلك.
فالمسؤولية الأخلاقية التي تتوافق مع المنهج الأخلاقي اذا قارنها بنظرية الفارابي فإنها تنبني على عدة شروط من بينها:
أ_ جودة الذهن
ب_ الارادة الحرة المختارة
ج_ إدراك الجزاء المترتب على الفعل
د_ إدراك الغاية
هـ_ التحرر من القيود المقيدة للحرية
ويفهم من رأي الفارابي أن هذه الشروط واجبة لتكون المسؤولية كاملة غير منقوصة، إذا إنتفاء بعضها يعني عدم أهلية الفرد لأفعاله، وبتالي عدم وجود مسؤولية أو جزاء. واذا تم اسقاط هذه الشروط على واقعنا فانه يتعين مقاربة هذه الشروط في اختيار الشخص المؤهل لتحمل مسؤلية ادارة المال العام، وبتالي فكل من يتولى مسؤولية فهو في وضعية محاسبة ومسألة.
والسؤال المطروح هنا هل يستحق تسير المال العام كل هذه الأهمية ؟
الإجابة قطعا نعم .
لماذا؟
إذا مررت عزيزي القارئ مرورا سريعا على جميع قصص النجاح و “المعجزات” الإقتصادية في العصور القديمة والحديثة، ستجد أن نقطة الإنطلاق وحجر الأساس لها هو قيام الدولة بوظائفها الإقتصادية والاجتماعية و السياسية بالصورة الواجبة، بالاستثمار في الموارد البشرية حتى تكون أهلا لتقلد المسؤولية؛ وتطوير النظام ودعم البحث العلمي و تأسيس نهضة علمية تكنولوجية تكون أساسا لتنمية واعدة تجعل من المغرب منافسا في السوق العالمية، وبالطبع لايمكن للدولة أن تقوم بكل ماسبق دون توافر تمويل كافي ولا يمكن توفير التمويل الكافي إلا من خلال نظام سليم لإدارة المال العام.
ولن تتحقق هذه الادارة السليمة للمال العام الا بإعمال مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفقرة الثانية من دستور 2011 في فصله الأول، والذي أكد عليه جلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطابه الذي وجهه بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين ، والذي جاء واضحا ودقيقا تماما بتأكده على “ضرورة التطبيق الصارم لمقتضيات الفقرة الثانية من الفصل الأول من الدستور و التي تنص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وبتأكيده أن الوقت قد حان ” للتفعيل الكامل لهذا المبدأ فكما يطبق القانون على جميع المغاربة، يجب أن يطبق أولا على المسؤولين بدون استثناء أو تمييز، وبكافة مناطق المملكة. ذلك ” أننا في مرحلة لا فرق فيها بين المسؤول و المواطن في الحقوق وواجبات المواطنة، ولا مجال فيها للتهرب من المسؤولية أو الافلات من العقاب”.
إلا أنه مايعاب على هذا المبدأ انه يظل دون جدوى مادام أنه لم يقرن بجزاء جنائي، يكون هدفه الضرب من حديد على يد كل من سولت له نفسه التلاعب بأموال و مصالح المواطنين، والذي هو في الأصل سخر لخدمتهم تفعيلا لمبادئ الحكامة الجيدة، من إحترام للقانون و الحياد والشفافية و النزاهة وتحقيق المصلحة العامة، المنصوص عليهم في الفصل 155 من دستور 2011 .
وفي الختام يمكن القول أن تحقيق مطلب الادارة السليمة للمال العام، تبقى نخالها عسيرة مادام أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لم يأخذ شكل عقوبات مؤلمة رادعة تطبق على كل من خالف قواعد حماية المال العام، وإعطاء العبرة لكل المسؤولين على تدبيره ، لكل ذلك فمن وجد في نفسه أنه غير أهل لثقة الوطن، فليترك المجال لمن هو أهل لها، على حد قول جلالة الملك محمد السادس ” إما أن تقوموا بمهامكم كاملة أو تنسحبوا. فالمغرب له نساؤه ورجاله الصادقون”.
محمد أمهرش – باحث في جامعة محمد الخامس

