عبدالرحيم موهوب
في صيف هذا العام حين كان المغرب يستعد لاستقبال ذكرى عرشه المجيد بقلوب مفعمة بالولاء وقلوب أخرى مثقلة بآلام العيش، كان البحر المتوسط يلفظ جثامين العشرات من شباب الوطن على شواطئ المضيق والفنيدق في مشهد هز الضمير الجمعي وأثار في النفوس أسئلة وجودية عن ماهية الوطن وعن قيمة الانتماء وعن عدالة التوزيع في بلد يزخر بالمشاريع الكبرى لكنه يعجز عن احتضان أبنائه.
وفي خضم هذه اللحظة الدرامية التي تستدعي وحدة الصف وتغليب المصلحة الوطنية على كل الاعتبارات، خرج حزب العدالة والتنمية ببلاغ طويل كأنما يريد أن يكتب تاريخا بديلا للفاجعة، بلاغا يخفي أكثر مما يكشف، ويتهم أكثر مما يقر، ويحتجب وراء أقنعة الموالاة ليطلق سهاما من النقد الموجه بدقة نحو المقدسات الوطنية دون أن يمسها ظاهرا، وكأنه يمارس لعبة سياسية خطيرة بامتياز، لعبة تذكرنا بما كتبه الفيلسوف بول ريكور عن الخطاب المزدوج الذي يقول شيئا ويوحي بضده، تاركا للمتلقي مهمة فك الرموز واستكناه المضمر.
فما إن شرع القارئ في مطالعة هذا البلاغ حتى وجد نفسه أمام نسيج خطابي معقد يحاول التوفيق بين متناقضات لا تقبل الجمع، فمن جهة يؤكد الحزب تمسكه بالمؤسسة الملكية ودعمه اللامشروط لها، ومن جهة أخرى يصف الواقع الوطني في لغة تصويرية تنم عن إفلاس شامل وعن مأزق سياسي واجتماعي يكاد يودي باستقرار الوطن، وكأنه يمسك بمرآة تعكس صورة قاتمة للمغرب في الوقت الذي كان فيه الخطاب الملكي السامي، الذي سبق الأحداث بأيام، يتحدث عن الاستقرار المؤسسي والتفاؤل بالمستقبل ويؤكد على النقد الذاتي البناء كأساس لمنهج الحكم.
وهنا يتجلى التناقض الأعمق في هذا البلاغ، فالحزب الذي ينتمي في جذوره التنظيمية إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهي جماعة تتبنى مشروعا سياسيا طموحا يهدف إلى تغيير جذري في بنية الدولة والمجتمع، يحاول اليوم أن يظهر بمظهر المدافع عن الثوابت الوطنية بينما هو في الحقيقة يمارس نوعا من النقد الملتف الذي يضع هذه الثوابت في مواجهة ضمنية مع واقع اجتماعي متفجر.
إن المتمعن في بنية هذا البلاغ يجد أنه يبدأ برفض الاستسلام للروايات المتناسلة والانزلاق إلى تحليلات استسهالية متسرعة وكأنه يضع نفسه في موقع الناقد الموضوعي للأحداث، لكن هذا الموقف سرعان ما يتبدد حين نلاحظ أن الحزب نفسه يقدم تحليلا مسبقا للأزمة يضع كل الثقل على التحكم السياسي والافتراس الاقتصادي ويحمل المسؤولية لجهات غامضة دون أن يذكر نفسه كفاعل سياسي كان جزءا من المنظومة التي يدعي نقدها.
وكما كتب عالم الاجتماع بيير بورديو عن آليات إعادة الإنتاج في المجال السياسي، فإن الجماعات التي تفشل في تحقيق أهدافها تميل إلى إعادة إنتاج خطابها عبر إسقاط الفشل على الآخرين، وهنا يمارس الحزب عملية إسقاط نفسي جماعي على الدولة ومؤسساتها، متناسيا أنه كان طيلة عقد من الزمن شريكا في صنع القرار وفي صياغة السياسات التي تقود اليوم إلى هذه الكارثة الإنسانية، وهذه الآلية الدفاعية التي وصفها إريك فروم في تحليله للسلوك الجماعي، تظهر بوضوح في محاولة الحزب أن يقدم نفسه كضحية لظروف خارجة عن إرادته، بينما هو في الحقيقة أحد مفاعيل تلك الظروف ذاتها.
غير أن المفارقة الأكثر إيلاما والتي تكشف عن عمق المأزق الأيديولوجي للحزب، هي تلك الإشارة الخافتة التي يضمنها البلاغ حين يتحدث عن تزامن الأحداث مع احتفالات عيد العرش المجيد، وكأنه يريد أن يلفت الانتباه إلى تناقض صارخ بين صورة الولاء والبيعة التي تحتفي بها المناسبات الوطنية وبين مشاهد الهروب الجماعي التي تملأ شاشات التلفزة ووسائل التواصل.
وهنا لا يسع المرء إلا أن يتساءل، هل كان الحزب يريد فعلا أن يثير هذا السؤال الثقيل في أذهان المغاربة، أم أنه كان يمارس لعبة سياسية أكثر دهاء تهدف إلى توجيه الغضب الشعبي نحو قنوات محددة تخدم أجندته؟ وكما قال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس في تحليله للفعل التواصلي، فإن أي خطاب سياسي يحمل في طياته ادعاءات بالصدق والشفافية، وحين يتبين أن هذه الادعاءات غير متطابقة مع الواقع، فإن ذلك يؤدي إلى تآكل الثقة ليس فقط في الخطاب نفسه بل في النظام السياسي بأكمله، إن الحزب بهذا التضارب الخطابي لا يخدم قضية الإصلاح، بل يساهم في تعميق الفجوة بين المواطنين ومؤسسات دولتهم، وهو ما يمثل خدمة مجانية للقوى التي تراهن على زعزعة استقرار المغرب.
وإذا انتقلنا إلى المقطع الأكثر حساسية في البلاغ، وهو ذلك المطالبة بـإحداث لجنة وطنية للتحقيق بتعليمات ملكية سامية، فإننا نجد أنفسنا أمام منعطف خطير في علاقة الحزب بالمؤسسة الملكية، فهذه الدعوة في ظاهرها تعبر عن احترام لرمزية الملكية ورغبة في إشراكها في معالجة الأزمة، لكن في جوهرها تحمل اتهاما ضمنيا للدولة ومؤسساتها بالتقصير وعدم الكفاءة، وكأن الحزب يقول إن الأجهزة القائمة غير قادرة على كشف الحقيقة، وأن الحل الوحيد هو التدخل الملكي المباشر.
وهذا الموقف يعكس نظرة الاستعلاء التي تميز خطاب الإخوان المسلمين تجاه المؤسسات الوطنية، حيث يرون أنفسهم الوصي الوحيد على الشرعية والأخلاق، بينما ينظرون إلى بقية الفاعلين السياسيين بعين الريبة والشك. وكما كتبت حنة أرندت في تحليلها للسلطة الشمولية، فإن الحركات السياسية التي ترى نفسها حاملة للرسالة الإلهية أو الأخلاقية تميل إلى تشكيك مستمر في شرعية المؤسسات القائمة، وهذا التشكيك الممنهج يؤدي في النهاية إلى إضعاف الدولة وجعلها عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية في حفظ الأمن والاستقرار.
إن الحديث عن الإفلاس على المستوى التربوي والثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي في بلاغ صادر عن حزب كان يقود الحكومة المغربية لأكثر من عقد، هو بمثابة اعتراف ضمني بفشل ذريع، لكنه اعتراف لا يرقى إلى مستوى المراجعة الجادة، بل يظل معلقا في فضاء الاتهامات المجردة التي تفتقر إلى أي روح نقدية ذاتية.
فالحزب يصف الداء بدقة متناهية لكنه يتجاهل تماما أنه كان جزءا من الطبخة التي أنتجت هذا الداء، وكأنه يريد أن يقول للمواطنين، نحن نعترف بفشل المنظومة بأكملها، لكننا لسنا جزءاً منها، وهذا الموقف يتناقض مع ما كتبه عالم الاجتماع الأميركي رايت ميلز حول الخيال السوسيولوجي الذي يدعو إلى ربط المشاكل الشخصية بالبنى الاجتماعية والسياسية التي تنتجها، فحين يتحدث الحزب عن شباب يغامرون بحياتهم في عرض البحر، فإنه يتحدث عن نتاج سياسات كان هو شريكا في صياغتها وتنفيذها، فكيف يمكنه اليوم أن يتنصل من هذه المسؤولية التاريخية بهذه السهولة؟
والأكثر إثارة للانتباه في هذا البلاغ هو ذلك الصمت المريب إزاء أي اعتراف بالمسؤولية الذاتية، وأي إشارة إلى دور الحزب في خلق المناخ السياسي والاقتصادي الذي أدى إلى هذه المأساة، فبدلا من أن يقدم الحزب مراجعة نقدية لمواقفه وسياساته خلال سنوات حكمه، نراه يتحول إلى متهم ومدان في آن، يطالب بتحقيق لمعرفة الأسباب بينما هو يمتلك اليقين المسبق بأن الأسباب هي خارجية تماما عنه.
وهذا النمط من الخطاب يذكرنا بما كتبه الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو في رائعته السقوط عن شخصية البطل الذي يظل يبحث عن أخطاء الآخرين ليبرر بها فشله، متناسيا أن العدو الحقيقي يكمن في داخله، إن حزب العدالة والتنمية بهذا الموقف، يكشف عن حالة من العمى السياسي والأخلاقي تحول دون قدرته على تقديم أي إسهام جاد في معالجة الأزمات الوطنية، ويؤكد أنه أصبح أسير تناقضاته وأوهامه أكثر من كونه فاعلا سياسيا قادرا على التأثير الإيجابي في مجرى الأحداث.
وإذا أمعنا النظر في الأبعاد الخفية لهذا البلاغ، نجد أنه يحاول استغلال المأساة الإنسانية للشباب المغربي كورقة ضغط سياسي في صراعه المستمر مع الدولة ومؤسساتها، وكأن الحزب يريد أن يقول للسلطة القائمة، انظروا إلى ما آل إليه حال البلاد في ظل سياساتكم، فإما أن تأخذوا بتوصياتنا وإما أن تتحملوا عواقب استمرار هذا الاحتقان. وهذه اللعبة السياسية التي وصفها نيكلاس لومان في نظريته عن النظم الاجتماعية، تقوم على استغلال حالات الطوارئ لتعزيز المواقف التفاوضية، لكنها لعبة خطيرة قد تنقلب على صاحبها حين يدرك الرأي العام أن الحزب يستغل دماء أبنائه لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة.
إن المغاربة الذين يتابعون بأسى مشاهد الغرقى على شواطئ سبتة، لا يريدون خطابات سياسية ملتوية، بل يريدون حلولا عملية وإنصافا حقيقيا، وهم يعرفون جيدا أن حل أزماتهم لا يمكن أن يأتي من أحزاب تائهة في متاهات تناقضاتها، بل من تلاحم وطني حقيقي حول ثوابتهم الجامعة، وفي مقدمتها الملكية التي ظلت طوال عقود عصاما للأمة وحامية لوحدتها.
إن ما يجعل هذا البلاغ أكثر إثارة للقلق هو ذلك النبرة التي تتحدث عن الغضب الشعبي وتزايد الاحتقان وكأنها تحاول تضخيم المشاعر السلبية وتوجيهها نحو أهداف سياسية محددة، بدلا من العمل على تهدئة النفوس وتوجيه الطاقة الاحتجاجية نحو قنوات بناءة، فالحديث عن الاستمرار في إنتاج طبخات ووصفات هي استمرار لنفس المنطق التحكمي الذي فشل مرات ومرات هو خطاب يحمل في طياته بذور التمرد على النظام القائم، لكنه يخلو تماما من أي تصور بديل عملي أو أي برنامج إصلاحي واضح.
وكأن الحزب يكتفي بدور الناقد المتفرج الذي يصف المرض بدقة لكنه يعجز عن تقديم الدواء، تاركا للمواطنين شعورا بالإحباط واليأس مما يعزز لديهم الرغبة في الهروب بدلا من المواجهة، وهذا الموقف يتناقض مع ما كتبه عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون عن سيكولوجية الجماهير، حيث أوضح أن القادة الذين يكتفون بتغذية مشاعر الجماهير دون توجيهها نحو أهداف عملية إنما يمارسون نوعا من التلاعب الخطير الذي قد ينقلب إلى فوضى مدمرة.
وإذا انتقلنا إلى الجانب الأكثر حساسية في هذا البلاغ، وهو ذلك الربط غير المباشر بين سياسات الدولة وهجرة الشباب، نجد أن الحزب يقدم قراءة مختزلة للأزمة، إذ يغفل عن العوامل الذاتية والنفسية التي تدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، ويكتفي بإرجاع الأسباب إلى الافتراس الاقتصادي والتحكم السياسي في إشارة غامضة إلى قوى خفية تعبث بالمسار الديمقراطي.
لكن الحقيقة كما يراها المحللون الموضوعيون، أكثر تعقيدا من ذلك، فهناك عوامل ثقافية وتربوية ونفسية عميقة تجعل الشباب المغربي يفضل الموت غرقا على البقاء في وطنه، وهذه العوامل لا يمكن اختزالها في مؤامرات سياسية أو اقتصادية، بل هي نتاج تراكمات تاريخية واجتماعية شارك في إنتاجها كل الفاعلين السياسيين، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية نفسه.
وكما كتب عالم الاجتماع الراحل بول باسكون في تحليله للمجتمع المغربي، فإن أزمة الانتماء والهوية في المغرب هي أزمة بنيوية ترتبط بتحولات عميقة في العلاقة بين الفرد والجماعة والدولة، ولا يمكن معالجتها ببلاغات سياسية أو لجان تحقيق، بل تحتاج إلى مشروع وطني شامل يضع كرامة المواطن في صلب أولوياته.
وفي خضم هذه السجالات السياسية، تظل الحقيقة الأكثر إيلاما هي أن كل هذه البلاغات والتحليلات لا تلامس جوهر المأساة الإنسانية التي يعيشها آلاف الشباب المغربي، فالجثث التي تطفو على شواطئ سبتة المحتلة لا تنتظر لجان تحقيق ولا بلاغات سياسية لتخبرنا بأن العلاقة بين هذا الجيل وأرضه قد بلغت مرحلة خطيرة من التصدع، وأن البحر أصبح ممرا وليس حاجزا، وأن الأوطان لم تعد تحتضن أبناءها بقدر ما تدفعهم نحو المجهول.
وفي هذا السياق يبدو بلاغ حزب العدالة والتنمية وكأنه محاولة يائسة لامتلاك زمام المأساة وتحويلها إلى وقود سياسي، دون أن يقدم أي حلول عملية أو يعترف بأي مسؤولية تاريخية، إنه بلاغ رجل يمسك بالمرآة ويوجهها نحو الآخرين، غافلا عن أن صورته هو أيضا منعكسة فيها، لكنها صورة شاحبة تبحث عن مخرج بين ولاء مزعوم وانتقاد ملتوي، بين تأكيد دعم المؤسسة الملكية وتصوير البلاد في حالة إفلاس تام.
وتبقى الملكية في المغرب كما يؤكد ذلك الدستور والوجدان الجمعي، هي الرمز الجامع والضامن للاستقرار والوحدة، وهي صمام الأمان الذي يمنع الانزلاق إلى فوضى الصراعات السياسية الضيقة، وحزب العدالة والتنمية، بمحاولاته المستمرة لاستغلال الأزمات الوطنية لتحقيق مكاسب آنية، لا يخدم إلا نفسه ويتجاهل أن المغاربة قد سئموا من خطابات التخوين والتشكيك ومن محاولات استباحة المقدسات تحت غطاء النقد والإصلاح، وكما قال الفيلسوف الفرنسي مونتين في تأملاته، أن أعظم شيء في العالم هو أن يعرف المرء كيف ينتمي إلى نفسه.
وحزب العدالة والتنمية، في محنته هذه، كشف أنه لا يعرف كيف ينتمي إلى وطنه بصدق، إذ يظل معلقا بين انتمائه التنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين وانتمائه الوطني المغربي، وهذا التمزق يجعله عاجزا عن تقديم أي خطاب سياسي متماسك، فخطابه يظل أسير التناقضات والتلفيقات، بعيدا عن روح الصدق والوضوح التي يتطلع إليها المواطنون، ويظل الأمل معقودا على وعي المواطنين وقدرتهم على تمييز الغث من السمين، وعلى تمسكهم بثوابتهم الوطنية التي جعلت من المغرب واحة أمن واستقرار في منطقة تعج بالاضطرابات، فعسى أن تكون هذه المحنة درسا لكل من تسول له نفسه استباحة المقدسات باسم النقد، أو توظيف دماء الأبرياء في صراعات سياسية لا تليق بعظمة هذا الوطن وشعب الأباة.

