عبد الهادي مزراري*
تعد الرياضة، في جوهرها، جسرا للتقارب بين الشعوب، وفضاء يتيح للدول تجاوز خلافاتها السياسية. وخلال محطات دقيقة من تاريخ العالم، خاصة في زمن الحرب الباردة، شكلت مباريات في كرة السلة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق فرصة لإذابة الجليد بين القوتين العظميين، في مسار انتهى بتحطيم جدار برلين، وتوحيد الألمانيتين، ووضع حد لأخطر فصول الصراع الدولي بين الشرق والغرب.
غير أن هذا الوجه الإيجابي للرياضة يتناقض مع ممارسات بعض الأنظمة التي تستغل التظاهرات الرياضية لإذكاء الخلافات بين الشعوب، وتعميق أسباب التوتر، حيث تنظر إلى الفرق الرياضية باعتبارها وحدات عسكرية في ساحات مواجهة، لا مجرد فرق تتنافس بروح رياضية.
وقد تجلت هذه الظاهرة، للأسف، خلال مباريات كأس إفريقيا للأمم التي يحتضنها المغرب، إذ سارعت سلطات النظام الجزائري، منذ انطلاق التظاهرة، إلى مهاجمة المغرب عبر وسائل إعلامها الرسمية وغير الرسمية، مطلقة سيلا من الاتهامات الباطلة، من قبيل التشكيك في قدرة البلد المضيف على التنظيم، والطعن في مصداقيته، ومحاولة النيل من كل الصور الإيجابية التي تعكس نجاح الحدث.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تمت عسكرة الفريق الكروي الجزائري وإخضاعه لتعليمات سياسية لا تمت للرياضة بصلة، في وقت انخرط فيه الطاقم الإعلامي المرافق في عمليات تضليل ممنهجة، ساعيا إلى تقديم صورة قاتمة عن المغرب، من خلال التقاط مشاهد معزولة في أماكن مظلمة بالعاصمة الرباط، التي تصنفها وسائل الإعلام العالمية ضمن “مدن الأنوار”.
كما حاولت السلطات الجزائرية افتعال أزمة مرتبطة بالتذاكر، مستغلة عدم توفر بعض مشجعي منتخبها على تذاكر دخول الملاعب، في حين أن البلد المضيف لا علاقة له بهذه المسألة، لأنها من اختصاص الجهة المنظمة، أي الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم (الكاف). إضافة إلى ذلك، يتحمل الاتحاد الجزائري لكرة القدم مسؤوليته في توفير التذاكر لجماهيره، وفق ما يدعيه هو نفسه.
ورغم هذه الحملات، أبان عدد كبير من الجزائريين الذين حلوا بالمغرب عن مستوى عال من الموضوعية في تقييمهم لتنظيم الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم بالمملكة. فقد قدموا شهادات صادقة حول حفاوة الاستقبال، وحسن الضيافة، وجودة التنظيم، مشيدين بالملاعب المغربية، وفخامة العمران، وتطور البنيات التحتية من مطارات ومحطات وطرق، فضلا عن نظافة المدن.
غير أن هذه الشهادات الإيجابية لم ترُق للمسؤولين الجزائريين، إذ سارعت السلطات، خلال الأسبوع المنصرم، إلى اعتقال ناشط جزائري على مواقع التواصل الاجتماعي، لمجرد توجيهه رسالة إلى الإعلام الرسمي في بلده دعا فيها إلى التوقف عن الكذب ومحاولات تشويه صورة بلد جار، لم ير منه الجمهور الجزائري سوى كل خير.
وقد توقفت العديد من القنوات الإعلامية العربية والإفريقية عند هذه الحالة الشاذة في تعاطي الإعلام الجزائري مع المغرب خلال مناسبة رياضية، معبرة عن استغرابها من إصراره على التقليل من مكانة المغرب دون أي جدوى.
إن الأنظمة السياسية التي توظف الرياضة لخدمة دعايتها وأطروحاتها، غالبا ما تخشى انكشاف حقيقتها، فتسعى إلى قلب الوقائع وتشويه الحقائق، حتى وإن أدى ذلك إلى فضحها واتهامها بالجحود والكذب على شعوبها.
*كاتب صحفي

