القناة : أسامة الطنجاوي
لا تخرج تصريحات رئيس حكومتنا عبد الإله بنكيران، منذ إعتلائه منصبه الحزبي أو الحكومي عن الانزياح من فلسلفة جديدة كان لزاما أن تضاف إلى قواميس الفقه السياسي في الجامعات المغربية وحتى الدولية، فالرجل استطاع لوحده اختراع نظرية جديدة في عالم الممارسة السياسية، وهي “التشيطين”.
تقوم نظرية “التشيطين” لمنظرها الفيلسوف الروحي مولانا عبد الإله بنكيران، على تنزيه الذات من كل عيب كليلة، وشيطنة الخصم والتفنن في هجومه ونقذه ومحاربته، حتى يطلب “التسليم” من الشيخ المربي “للتشايطين” ـ كما هو الشأن بالنسبة لحميد شباط ـ أو يلقى حتفه السياسي، مثلما حصل مع حزب الاتحاد الاشتراكي.
تنبثق نظرية “التشيطين” على فلسفة خاصة، قوامها مقتبس من الدين، أو موظف بشكل قدحي للدين، حيث يصطف في الجهة الأولى كل حامل لفكر العدالة والتنمية أو فكر الحركات الإسلامية أو الإخوانية في صف، فيحين يموقع الأخرون من المسلمين الذين يؤمنون بلغة السياسية والقيم الديمقراطية وحقوق الانسان في الصف المناقض، وهو ما يجعل بنكيران يختار زعيما مفترضا للصف الثاني ـ حسب كل مرحلة سياسية ـ ويتفنن في توجيه سهامه اللاذعة التي راكم تجربة ممتازة في ممارسة هذا النوع من “تسفيه الآخر” خصوصا إن كان الآخر متجاوبا مع بنكيران في تصريحات إعلامية.
بنكيران الذين دخل السياسية من الحركة الإسلامية، ليختار بعناية ما يناسبه في طرحه سياسي متناسيا قوله تعالى “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ” صدق الله العظيم.
إن بنكيران الذي استعمل طوال مرحلته الحكومية ألفاظ من قبيل “عفا الله عما سلف”، ومصطلح “العفاريت والتماسيح” خرج اليوم علينا بكائنات جديدة وهي “الجن”، ولعل توظيفه لموضوع المس بالجن في ندوة دولية نظمها مجلس المستشارين حول العدالة الاجتماعية، خلفت نوعا من الارتباك في صفوف الأجانب اللذين لم يستوعبوا هاته اللغة الجديدة لرئيس حكومة من حزب إسلامي، ولقد تمنينا أن تنقل لنا عدسات الكاميرا وجوه الأجانب لما سمعوا رئيس حكومتنا يتحدث عن الشياطين والجن بالبرلمان، ونستمع لآرائهم في الأطروحة الجديدة المغربية لعلاقة الشياطين بالعدالة الاجتماعية؛ وما مدى إمكانية نقل التجربة المغربية للعالم؟”.
علاقة بنكيران مع الجن علاقة قديمة ومتجذرة، فقلد علق الرجل السنة الماضية على ضم الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالقول” : “إذا كانت تضم الاستراتيجية كل هؤلاء الفاعلين أين يوجد الفساد؟..هل يوجد في جزيرة الوقواق؟ أم يوجد عند الجن لعدم حضوره معنا. أم عند الشياطين رغم حضروهم؟
وقبل طرحه للسؤال في حفل إعطاء الانطلاقة الرسمية للاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، مهد بنكيران إليه عبر قصة تابعها في مسلسل حول شخصية جمال الدين الأفغاني، حيث كان يستمع هذا الأخير إلى درس فقهي حول سيدنا سليمان الذي كان جيشه يجمع كل الإنس والجن والحيوانات، ليتساءل الأفغاني: إذا ضم جيشه كل هذا، فمن سيقاتل به “؟
إن بنكيران سيبقى وفيا لنهجه في خلق الفرجة السياسية، مادام أن كثرة الفساد تضحك، بالرغم من أن القاموس “الكلامولوجي” لبنكيران” يبقى صعبا على كل الباحثين والخبراء والمترجمين في فهم معانيه الدلالية والعميقة، ومنه تبقي قواميس الكلاب والنعاج والشياطين والإنس والجان، التي يستخدمها بنكيران، كفيلة لبسط مخططه الاستراتيجي لمكافحة الفساد، وكذا لفهم عمق التصور “البنكيراني” للعدالة الاجتماعية.

