القناة من الدار البيضاء
بعد عشر سنوات من قيادة الحكومة، بين 2011 و2021 يصفها خصومه بـ”العجاف”، يعود حزب العدالة والتنمية إلى المناطق القروية والمداشر في محاولة لإعادة وصل ما انقطع مع جزء من قاعدته الانتخابية، في وقت يقترب فيه موعد انتخابات أعضاء مجلس النواب المقررة في 23 شتنبر 2026.
ويقود الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة الأسبق، عبد الإله بنكيران، جولة تواصلية تشمل عددا من مناطق “المغرب العميق”، كان آخر محطاتها مركز تبانت بأيت بوكماز وخنيفرة، في مشهد سياسي مختلف عن المرحلة التي صعد فيها الحزب إلى واجهة المشهد الحكومي عقب انتخابات 2011.
ويظهر بنكيران خلال هذه الجولة مستعينا بعكازه، بعدما تقدم به العمر، حاملا خطابا يقوم أساسا على استعادة ذكريات مرحلة التدبير الحكومي، وسرد وقائع وتجارب من سنوات وجود حزبه في السلطة، إلى جانب توجيه انتقادات واتهامات لخصومه السياسيين.
كما لم تخل بعض خطاباته من لحظات عاطفية وذرف للدموع، في أسلوب يراهن، بحسب متابعين، على مخاطبة الوجدان واستمالة المواطنين، ولا سيما في المناطق القروية.
غير أن الجولة التواصلية لا تبدو، في المقابل، مصحوبة إلى حدود الآن ببرنامج انتخابي تفصيلي يشرح، بأرقام واضحة وفرضيات قابلة للقياس، كيف يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وخلق مناصب شغل، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، والاستجابة لتطلعات المغاربة في المرحلة المقبلة.
وتطرح هذه المعطيات سؤالا أساسيا حول طبيعة الرسالة التي يحملها الحزب إلى الناخبين: هل يتعلق الأمر بمحاولة تقديم عرض سياسي وبرنامج حكومي جديد، أم باستعادة ذاكرة تجربة سابقة في الحكم، والدفاع عن حصيلتها، وتحميل مسؤولية الإخفاقات للخصوم السياسيين؟
من المدن ومنصات التواصل إلى القرى والمداشر
ويرى مراقبون أن اختيار العدالة والتنمية العودة بقوة إلى المناطق القروية ليس منفصلا عن التحولات التي عرفها الحزب منذ انتخابات 2021، والتي شكلت محطة انتخابية قاسية انتهت إلى تراجع كبير في تمثيليته البرلمانية، فيما وصفه متابعون بـ”التصويت العقابي”.
فالحزب الذي راكم خلال سنوات وجوده في المعارضة ثم الحكومة حضورا قويا في المراكز الحضرية، واستفاد من حضور لافت لقياداته في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، يجد نفسه اليوم أمام خريطة سياسية مختلفة، فضلا عن مغادرة عدد من الوجوه والقيادات الوازنة صفوفه.
كما أن السياق الذي ساعد الحزب على الصعود إلى الواجهة السياسية لم يعد هو نفسه. فقد استفادت الحركة الإسلامية، في مرحلة سابقة، من مناخ إقليمي أعقب موجة “الربيع الديمقراطي”، وهو سياق دفع قوى إسلامية إلى مقدمة المشهد السياسي في عدد من بلدان المنطقة، قبل أن تدخل المنطقة لاحقا مرحلة سياسية مختلفة تماما.
ومن هذه الزاوية، تبدو جولة بنكيران في القرى والمداشر محاولة لإعادة بناء صلة مباشرة مع الناخب، بعيدا عن رهانات الحضور الإعلامي والرقمي التي طبعت مرحلة سابقة من مسار الحزب.
لكن الرهان يظل محفوفا بأسئلة صعبة: هل تكفي استعادة خطاب الماضي والرهان على الشخصية “الحكواتية” بنكيران لإقناع ناخبين يبحثون عن فرص الشغل وتحسين الدخل والخدمات العمومية والتنمية المحلية؟، وهل يستطيع الحزب الانتقال من خطاب استحضار تجربة الحكم إلى تقديم بدائل سياسية واقتصادية دقيقة، قابلة للقياس والتنفيذ؟.

